فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 255

وتأخذ صورة الصراع منحىً آخر لدى شاعر لا يرى الشرّ في نفس الإنسان، بل يراه في معتقداته وغيبيّاته التي يؤمن بها فالخير والشرّ لديه هما العلم والدين. فالعلم هو الخير وقوتّه التي لا تملك إلا العقل والضمير الحيّ، أمّا قوى الدين (الغيب) فيمثّلها منذ البداية منكر ونكير، ثمّ يمثّلها في الجحيم جيش الملائكة بقيادة عزرائيل، وجيش الخير يمثّله العلماء والمفكرون والشياطين.

ولعلّ في انتصار الزهاوي لجيش أهل الجحيم انتصارًا لقوى الخير، في زعمه، على قوى الشرّ، فالدين وغيبيّاته لا تأتي بالنفع على أحد فيما يقدّمه المرء لمجتمعه من خير، فيقول:

إنّما قدْ سألتُما عن أمورٍ ... هي ليسَتْ تُغني وليسَتْ تضيرُ

ولماذا لَمْ تسألا عنْ ضميري ... والفتى من يعفُّ منهُ الضّميرُ

ولماذا لمْ تسألا عنْ جهادي ... في سبيل الحقوقِ وهو شهيرُ

ولماذا لَمْ تسألا عنْ ذيادي ... عَنْ بلادي أيامَ عزّ النّصيرُ

ولماذا لَمْ تسألا عَنْ وفائي ... ووفائي لمَنْ صحبْتُ كثيرُ

ولماذا لَمْ تسألا عنْ مساعيّ ... م ... لإبطالِ الشرّ وهو خطيرُ [1]

ويبدو الخطأ قائمًا في صلب تفكير الزهاوي، لأن الدين عنده مصدر شرور وتسلط وظلم، بخلاف ما هو عليه حقيقة، فهل الدين لا يحثّ على الصدق والجهاد والخير والوفاء والإخلاص..؟!

وتأخذ جدلية الصراع بين الخير والشرّ طابعًا رومانتيكيًا عند فوزي معلوف ومحمد حسن فقّي. إذ يمثّل الإنسان الشرّ لدى فوزي معلوف في مطوّلته (على بساط الريح) فهو الذي استعمر أرضه وشرّده منها، وهو الذي يمتصّ عرقه وقوّته في مهجره، أمّا عنصر الخير فتمثّله الطبيعة هذه الأمّ الرؤوم الحنون على ابنها الشاعر.

وسرعان ما أنكرت الطيور والنجوم والأرواح هذا البشر الذي شقّ أديم مملكتها السماوية لظنها السوء به كأي إنسان آخر من البشر، فيقول:

أنا عَن وصْفِ شرّهِ عاجِزٌ و م ... اللهِ مَهما أفضْتُ في تِبيانِهْ

(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص: 723-724.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت