فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 255

ولم يترك الفراتي مفسدة في مجتمعه إلا هاجمها في رحلته الخياليّة، حتى الصوفيّة لم تفلت من قبضته إذ عدّها واحدة من مفاسد المجتمع الإسلامي. حيث عزفت عن دينها الصحيح ولجّت في غياهب الجهل والشعوذة، فسيطرت على أفهام البسطاء والسذّج من الناس.

أمّا الهوني فغالبية أفكاره في الرحلة تدور حول نقد القيم الاجتماعيّة الفاسدة. فما أخرجه عن الأرض إلاّ فساد أهلها فيها، واختلاط الطالح بالصالح، حتى غدا كريم النفس والطباع كخسيسها، وتبرز حدّة هذا الشعور بالإحباط في حوار الشاعر مع الملك إذ غدا الختل طابعًا لبني البشر يرى في وجوههم، فيقول:

وقلْتُ: لَهُ باللهِ كيفَ عرفتني ... فقالَ: على جبهاتكُمْ طابَعُ الختْلِ [1]

كما يستعيد الهوني إلى الذاكرة اتّهام الملائكة للبشر بالإفساد في الأرض فيقول:

فقلتُ ألا زِلتم تقولونَ هكذا؟ ... وقد قُلتُمُ في آدمَ القَولَ مِنْ قبل

ولمّا أرادَ الله إسنادَ مُلكهِ ... لآدمَ قلتُمْ يُفسدُ الأرضَ بالقتلِ

فقالَ: نعم قُلنا بأمرِ إلهِنا ... وإنّ الذي قلناهُ حُقّقَ بالفعلِ [2]

وعندما يشكو الشاعر حاله لأبيه آدم التي دفعت به إلى الخروج عن عالم الأرض الفاسد إلى السماء لالتماس الطهر يعدّد كثيرًا من المفاسد الاجتماعيّة التي سادت على وجه البسيطة وغيرت حالها، يقول:

وصارُوا كأنّ القومَ لا همّ عندهُم ... مِنْ الدّينِ والدّنيا سوى الشّربِ والأكلِ

ولو يا أبي شاهدْتَهمْ لوجدتَهمْ ... طغَوا وبغوا واستبدلُوا العلمَ بالجهلِ

وصارَ لديهِمْ صاحبُ العَدلِ ظالمًا ... وذو الظّلم يُدعى بينهم مِن ذوي العدلِ [3]

(1) الهوني، إبراهيم، الديوان، ص: 36.

(2) المصدر السابق، ص:37.

(3) المصدر نفسه ص: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت