فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 255

وهكذا يعمّق الهوني رؤيته نحو المجتمع الفاسد في مكان انطلق إليه على جناح الخيال، وربّما لم ينطلق هذه الانطلاقة إلاّ عندما يئس من صلاح بني البشر على الأرض فالتمس الصلاح في السماء بعيدًا، ولكن هيهات هيهات فإنّ المكوث في السماء يحتاج إلى تطهّر من الجسد المثقل بأدران الماديّة، وهذا لا يتمّ إلا بالموت، وهنا تقترن المثاليّة عند الهوني بالموت، فيتحوّل الموت، تلك المأساة خلاصًا لذيذ المعاناة عنده، لأنّ فيه الخلاص من هذا المجتمع الفاسد، فيقول:

فقلتُ: أبي أبغِي المكوثَ بساحِكمْ ... مللْتُ لعمري عيْشَةَ الضّنكِ والذّلّ

فقالَ: مكوثُ المرءِ عندي محرّمٌ ... إذا لمْ يُطهّرْ بالمماتِ من الغلّ

فقلتُ: سلامُ اللهِ ثمّ تركتُهمْ ... وأُرجعْتُ رغم الأنفِ للعالمِ السفلي [1]

ويركّز عبد الفتاح القلعجي في ملحمة القيامة على المفاسد الاجتماعيّة التي ساقت عجلة القيامة قُدمًا للوصول إلى ساعة النهاية الدنيويّة والبداية الأخرويّة فتراه يعدّد بعض هذه المفاسد التي أصابت المجتمعات الإنسانيّة، فيقول:

الشيّخُ: وتتالتْ إرهاصاتُ الناقورِ

وأوحَلَ في الطغيانِ القتله

انفجرتْ في الأرضِ حروبٌ

غُسِلَتْ بالدّمْ [2]

ولقد تحوّل المجتمع في ملحمة القيامة إلى كتلة من المفاسد لا تكاد تخلو من نقيصةٍ في الكون إلاّ تلبّست أهل الساعة الذين قال عنهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"إنهم شرار الناس" [3] .

وفي هذا الاتهام أكبر طعنة يوجّهها القلعجي للمجتمعات الإنسانيّة التي يقول عن أرواح البشر فيها:

"ثمّ تسربلَهُ الرّوحُ الشيّطانيّ" [4]

(1) المصدر نفسه، ص:40.

(2) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص:10.

(3) ابن حنبل، أحمد، المسند، حديث رقم 3930.

(4) المصدر السابق، ص:13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت