فهرس الكتاب
إذًا عبّر هؤلاء الشعراء عن القيم الاجتماعيّة التي سادت مجتمعاتهم الإنسانيّة رغم أنّهم حلّقوا بعيدًا عنها فهم لم ينسوا ساعة أنّهم أبناؤها فكشفوا كثيرًا من القيم الفاسدة التي سببّت لهم هذه الحالة النفسيّة المأزومة وربّما أرادوا بطرف خفيّ الدعوة إلى نقيضها وبناء الحياة الأمثل والأفضل، وعليه لا بدّ أن تكون هناك دعوة للقيم الأخلاقية الفاضلة.
فساد الأخلاق:
ومن أبرز هذه الأمراض الاجتماعيّة ما يتجلّى في اختلال المفاهيم حيث يختلط الفاضل بالرديء حتّى ما يبقى إلاّ خيط واهٍ يميّز بينها نحو قول شفيق معلوف:
فاندسّتِ الكبرياءْ ... تحتَ حجابِ الحسبْ
وتحتَ سترِ الإباءْ ... غلغلَ وجهُ الغضبْ
وانقلبَ العنادُ ... بينَ الورى حزمَا
وصارَ الاستبدادُ ... في عرفِهمْ عَزْما
وأصبحَ الجشعُ ... أسمى مَزايا الرّوحِ [1]
ويتعمّق هذا الاختلال الذي يتّهم به شفيق المجتمع المعاصر في حادثه تاريخيّة رمزيّة. في نشيد حلم هراء. هذا المخلوق الأسطوي الذي يوحي الأحلام للبشر.
وفيه قصّة حلمه الذي أوحاه لأميّة بن أبي الصّلت الشاعر الجاهلي الذي كان يهيّئ نفسه للنّبوّة. إذ كشف له عن سريرته السوداء العفنة المبطّنة بالحسد والحقد اللذين ينهشان شفافية الروح فيها، وإن بدت ظاهرًا هيّنة ليّنة فإنها تتجلى عن حقيقتها تحت مخاض الرياء في قلبه، فهاله ما رأى فيها، فيقول:
أذاكَ قلبي أنا ... تاللهِ قلْ يا هُراءْ
إذا قلوبُ الورَى ... كانَتْ وقلبي سَواءْ
وكانَ ما بِي بِهِمْ ... لا كُنتُ في الأنبياءْ [2]
ويوجّه شفيق في (أبناء إبليس) طعنة عنيفة للمجتمع الذي ينصاع وراء مثل هذه المفاسد التي يمثّلها أبناء إبليس كحبّ المال والبخل الذي يصل درجة العبادة، يقول:
شيطانُ شِعْري انْبرَى ... وقالَ هلْ مَنْ تَرى
غيرَ زلنبورِ ... مذهَبِ الأغلالِ
مفضّضِ النّيرِ ... معبوْدِ أهلِ المَالِ
فهو إذا ما نَصبْ ... ميزانَه في يديْهْ
(1) المعلوف، شفيق، عبقر، ص: 196-197.
(2) المصدر السابق، ص:229.