فهرس الكتاب
فدلالات المعنى تنقد أبناء المجتمع الذين يضيّعون حياتهم جريًا وراء شهواتهم، سواءٌ أكانت شهوة المال أم القتل أم الاغتصاب أم الشبق الجنسي الذي لا يشبع.
لقد أسهم شعراء الرحلات الخياليّة في عكس معاناة الإنسان، هذه المعاناة التي تبدأ بأعماقه وما يدور فيها من صراع بين الخير والشرّ منتصرين لنوازع الخير وقوتّه التي تمثلت بالروح مقابل المادة -اللهمّ- إلاّ الزهاوي الذي وجد الشرّ في قوى الغيب والدين، كما ندّد الشعراء بالمفاسد الخلقّية ودعوا في المقابل إلى القيم المثالية العليا التي ترفع شأن الإنسان، ولم يكونوا بمنأى عن الحياة السياسيّة التي عاشوا همومها ففضحوا المستعمر ودعوا إلى مقاومته.
ثالثًا: الخلاص
-الشعر والحبّ والفنّ:
خرج شعراء الرحلات الخياليّة بعيدًا عن أرضهم بحثًا عن الحياة المثالية التي يئسوا من وجودها عليها، فبرزت لديهم الدعوة إلى القيم المثالية التي يمكنها تحقيق الخلاص للبشر ممّا ألمّ بهم من مفاسد وظلم.
ولا يزال الشعر واحدًا من أهم الأصوات الداعية للقيم الإنسانية الفاضلة فهو سبيل الرقي وسلم المعالي. ولمّا كان الزهاوي يناصر هذه الدعوة التي ترى الفن للحياة فإنّه يرى أنّ الشعر منبر للجماهير، يربط ما ضي الأمة بحاضرها ويستشرف آفاق مستقبلها، فيقول:
وسَلاني عمّا نظمْتُ من الشّعـ ... رِ فبالشّعرِ يرتقي الجمُهورُ
وسلاني عنْ نصريَ الحقّ وثّا ... بًا بهِ وهْوَ بالسّؤالِ جديرُ
إنّما الشّعرُ سلَمّ للمعالي ... ثمّ فيهِ لأمّةِ تحريرُ
إنّه تارةً لقومٍ غَناءٌ ... ليناموا وتارةً تحذيرُ
وسلاني عنْ جعليَ الصّدقَ كالصـ ... خرِ أسَاسًا تُبنَى عليهِ الأمورُ
وسلاني عن حفظيَ الفنّ مِنْ أنْ ... يعتريه قبلَ التّمام الدّثورُ [1]
(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص: 724.