فهرس الكتاب
ويتمثّل الخلاص لدى القلعجي في الجنّة، مأوى الأنبياء والأتقياء والمؤمنين الصالحين، وقد وصف كلّ ما يتعلّق بها فوصف الطريق إليها، إذ يزدحم على أرصفته الفرح المتوثّب، وتتراصّ الملائكة على جنباته لترشق المؤمنين ولتغرس في طريقهم البسمة، فيقول في وصف جبل الرحمة:
جَبلُ الرّحمهْ
في كُسوتهِ أشجارُ الغُفرانِ
يصعَدُهُ السّالكُ نحوَ الفردوسِ الموعودِ
يجرّ رداءَ الإيمانْ
زمرٌ.. زمرٌ
مِنْ فوقِهم ظُلَلٌ
مِنْ تحتِهم ظُلَلٌ
مزّجاةٌ في منتشرِ الرّضوانْ [1]
ثم يصف أبواب الجنّة، وما فيها من السعادة والسرور، فهي سبعة أبواب منها:
باب الخَلْع، والصفا، والرّداء، والرّحمة، والجذب، والرّؤية، والفناء فيقول في باب الفناء:
سبّوحٌ.. سبّوحْ
أوزعْني يا ربّ
أنْ أشكرَ نعمتَكَ النّعماء
هيولايَ انصهرتْ في الفُغْمَةِ
سقطَ نصيفُ الرّوحِ
ولاحَ مقامٌ محمودٌ
ترفعُني كفُّ اللهِ إلى فلكِ القُبلهْ
أفنى.. أفنى في الصّمديّة
وهمٌ كانَ الموتُ
ها.. إنّي أفنى
.. أُولدْ [2]
ويكثر القلعجي في وصف الجنّة ومتعها ومسرّاتها فيصف الملائكة والمؤمنين بمراتبهم، وأسواقها ومجالسها وأماكن التنزه فيها.. وغيرها..
لقد أراد الشعراء في الرحلات الخياليّة أن يعيشوا ظروف مجتمعاتهم، وأن يبنوا بآن معًا مجتمعهم المثاليّ الذي يحلمون به، مجتمع المسّرات واللذائذ بعيدًا عن غصص المظالم والمفاسد والحروف والقتل والتدمير.
فكان الشعر والحبّ والفنون دعائم هذه النظرة المثالية ودستورها ورائدها الذي يستشرف آفاق المستقبل ورؤاه.
رابعًا: الرّؤى الذّاتية والنوازع الإنسانيّة:
لقد حاولت بعض الرحلات الخياليّة- رغم رومانتيكيتها- تجاوز واقع التعبير عن الذات الفرديّة لتعبرّ عن بعض الرؤى الإنسانيّة ولم لا؟ والأدب أحد الأسس الهامّة في بناء الحضارة الإنسانيّة، وله دوره الرياديّ الواضح في ذلك.
(1) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص: 166-167.
(2) المصدر السابق، ص:167.