فهرس الكتاب
فقد بدت مطوّلة الهمشري في ظاهرها حديثًا عن الذات الفرديّة، فهي تعبّر عن ارتقاء الروح الفرديّ، ومروره بأطوار من الحزن والمكابدة، مكابدة الأهوال والآلام في سبيل الوصول إلى تطهير النفس من الخوف، ذلك الخوف الذي يأخذ بمجامعها، فصارت تشعر بشبه موات في حياتها فـ (هي خلجات أنهكت قوى هذا القلب وأحالت شعاع الأمل الربيعي الضاحك إلى خطفات باهتة من شفق شتاء، وما زالت تخفق على ضعفها في محراب الحبّ. وزادت هذه الحال في نفسي سوءًا فهبطت نفسي من جراء ذلك إلى قرارٍ من الحزن السحيق لا أدري سببه.." [1] ."
ومن ثمّ فالقصيدة تعبير عن هذه الروح المتعبة، ومحاولة تطهيريّة لها من ذلك الخوف العميق والحزن الراسخ فكادت تكون القصيدة شكوى إنسانيّة رومانتيكية يبثّها الشاعر للعدم بقوله:
أيّها العدمُ أينَ تنعسُ في الصّمـ ... تِ وتلقى لديهِ راحةَ جفنكْ
قفْ ودَعْني أبثُثْ إليكَ شكاتي ... والتياعي مُهمهمًا في أُذنِكْ
لمْ أجدْ في الحياة لي أُذُنًا تسـ ... معُ شكوايَ أو فؤادًا حنونا
ولذا قدْ أتيتُ أشكوكَ ما بي ... فلقدْ ترحمُ الكئيبَ الحزينا [2]
وتبرز النوازع الإنسانيّة عند الفراتي في (الكوميديا السماويّة) فهو يدعو على لسان إحدى شخصياته المهمّة في الكوميديا إلى الوحدة الإنسانيّة التي تلغي كلّ الفروق بين بني البشر.
فيدعو إلى لغة عالمية: لغة تمجّد الفكر وتلغي كلّ اللّغات الخاصّة بكلّ جماعة من الناس ويمكن لهذه اللغة أن تختزل المسافات الفكريّة بين جميع البشر وهذه الدعوة التي سبق إليها الفراتي تلاقي رواجًا كبيرًا في أوربا هذه الأيّام.
كما دعا الفراتي إلى إلغاء جميع الديانات وصراعاتها، ووضع قوانين وضعية تخضع لها جميع الشعوب وتجعلُ الدين وحده للعقل.
(1) شرف، عبد العزيز، الهمشري، شاعر أبولو، ص:117.
(2) المصدر نفسه، ص:144.