فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 255

ولكنّ الفراتي كان قد عرض هذه الآراء على استحياء، فلم يصرّح بشيء من ذلك لأنّه كان يخشى كثيرًا أن يثير حفيظة الناس ضدّه لذا تراه يقول على لسان رفائيل:

بني الأرضِ ما معنى التّبايُنُ في اللُغى ... أمغنِ عناءَ الفكرِ هذا التّكلمُ

فلا تعبدوا الألفاظَ فهي وسيلةٌ ... لدى القّصدِ عمّا في الضّميرِ تترجمُ

فأهلًا بتوحيدِ اللّغاتِ فإنّهُ ... وجدّكَ في شرعِ التّضامنِ سُلّمُ

سهرْنا على تهذيب أخلاقِ نشئنا ... إلى أنْ بلغْنَا ما أردْنَا ونمنمُوا

ففي أيّ دينٍ أمْ بأيّةِ شرعةٍ ... يحلُّ لكُمْ سفكُ الدّماءِ المُحرّمُ

لقدْ قالَ: إنّ الدّينَ للعقلِ وحدهُ ... ولا دينَ إلاّ ما بهِ العقلُ يحكمُ

ألا اقطعْ حديثَ الدّين عنّا فإنّما ... حديثُكَ هذا يا رفائيلُ يؤلمُ

أذاكَ نقصٌ عندكُمْ في كمالنا ... ولمْ أرَ ذا نفسٍ من النّقصِ يسلَمُ [1]

وتظهر الدعوة إلى الإنسانيّة الشاملة عند شفيق معلوف حينما لا يميّز بين أحد من البشر، فالأرض واحدة لا حدود لها ولا حواجز، لأنّها بيت كبير للإنسان، أمّا تقسيمها فعمل شيطانيّ يتنافى مع النزوع الإنسانيّ السامي لذا نسب هذا العمل إلى ثبر شيطان الحروب، فيقول:

بانَ لنا ثُبَرْ ... مُسَعّرُ الشّرورْ

القاذِفُ البَشَرْ ... بالويلِ والثّبُورْ

طغى بينَ الوجودْ ... فأنشأ الأوْطَانْ

وخطّطَ الحُدودْ ... سياجُها النّيرانْ [2]

يبدو أنّ النوازع الإنسانيّة - اللهمّ نزوع الهمشري- ذات طابع حالم كثيرًا ما كانت تصطدم بصخرة الواقع لتتحطّم عليه وتنكفئ على نفسها تتجرّع غصص الحرقة والخيبة والمرارة.

(1) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، مج 31- ع4، ص: 152.

(2) معلوف، شفيق، عبقر، ص: 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت