فهرس الكتاب
لقد ذهب بعضهم إلى أنّ التجربة الخياليّة (هي التي تكتسب مقوّماتها من الخيال وأظهر شواهد هذه التجربة تتأتى عند الرمزيين والسرياليين الذين ابتعدوا عن الواقع لينفذوا إلى عالم الرؤى والأشباح. فقد جنح هؤلاء وهؤلاء كما جنح معهم أصحاب الفنّ للفن إلى خلق تجارب لم يحسّوا بها في الواقع، وحتى إذا تسرّبت إليهم من الواقع فإنهم لا يلبثون غير قليل حتّى يقذفوا بها إلى عوالم اللاّشعور وذلك ليتيحوا لتجربتهم أن تطبع بطابع الخيال وأن تهوّم فيما وراء الواقع، وأن تقتبس من أحلام اليقظة فيتكلّفون العشق وهم غير عشّاق ويتكلّفون الحزن وهم غير حزانى وهناك مجال كبير للحديث عن الصدق الواقعي فقد ينجح الشاعر أو القاصّ فنيًا، ولكنّه قد يخفق واقعيًا لأنّه تحمّل تجربة غير صادقة" [1] ."
غير أنّ واقع الحال في الرحلات الخياليّة أثبت خلاف ما ذهب إليه القول السابق، فالصدق الفنّي لمثل هذه التجارب يغنيها عن ارتباطها بواقع الأديب، ولعلّ القضايا التي عولجت كانت من صميم الواقع الاجتماعيّ والفكريّ والثقافيّ العربيّ، فلم تكن هذه الرحلات تهويمًا من تهويمات السريالية أو أنّها ابتعدت عن صميم الواقع الإنسانيّ في تطلّعاتها ورؤاها الفكريّة.
فقد عالجت هذه الرحلات المشكلات الإنسانية الكبرى كمشكلة الموت والحياة، فتنوّعت مواقفها منها بين الرؤية السوداويّة المتشائمة والرؤية المتفائلة التي تبثّ روح الأمل وشعاع الحياة من خلال عتمة الموت، كما برز لديّها الخلود كحلم إنساني ووسيلة للخلاص من ربقة الموت وقيود الجسد المهدّد بالموت والتلاشي. وكان التلازم بين الموت والحياة لدى بعضها الآخر ضرورة ملحّة لاستمرار الحياة على الأرض.
(1) عفيفي، محمد الصادق، النقد التطبيقي والموازنات، ص: 97.