فهرس الكتاب
وأخذت مشكلة الصراع بين العلم والدين حيّزًا عميقًا في الرؤى الفكريّة لدى هؤلاء الشعراء فبعضهم انتصر للدين على العلم المادّي والآخر انتصر للعلم على الدين والثالث وازن بين العلم والدين وفق المنظور الإسلامي الصحيح بعيدًا عن هرطقات الفلاسفة وشطحات الصوفيّة. وقد كان ثمّة عمق رمزي بعيد ذي مضمون اجتماعيّ وسياسيّ لمثل هذه المشكلة عند الزهاوي.
وانتصر أغلب شعراء الرحلات للروحانيّة الإيمانيّة على الماديّة العمياء فوجهوا للأخيرة أصابع الاتهام في جلبها الشقاء لبني البشر كما فعل القلعجي وفوزي معلوف بينما انتصر الزهاوي للماديّة رائدًا وقائدًا للحياة الأمثل بعيدًا عن الغيبيّات الروحيّة.
كما عالجت الرحلات الخياليّة مشكلات الجبر والاختيار التي أثارت جدلًا في فلسفة الدين.
وقد برزت المشكلات الاجتماعيّة واضحة وقد تباينت المواقف من قضاياها فعرض الشعراء للصراع بين الخير والشرّ. ورأى بعضهم أنّ الشرّ طبع في جبّلة الإنسان. وبالتالي طمحوا إلى صورة الإنسان المثال ذي الطابع الرومانتيكي. في حين تمثّل الشرّ -بشكل مغاير عن باقي شعراء الرحلات- في الدين عند جميل صدقي الزّهاوي والخير لديه يتمثّل في كلّ ما هو علميّ وعقليّ، ثم إنّ هؤلاء الشعراء حذّروا من المفاسد الأخلاقيّة والاجتماعيّة كالحسد والرياء والكذب والشبق الجنسيّ والتباغض والكبر.. وغيرها.
ودعو كذلك إلى الفضائل الخلقيّة التي تقوم على أساسها المجتمعات الحضاريّة المثلى كالصدق والإيثار والوفاء والعفّة.. ونبراسهم في ذلك ثقافة دينية يهتدون بها.
كما حاول هؤلاء الشعراء في تحليقهم بعيدًا عن واقعهم المأساوي أن يرسموا الصورة المثال للمجتمعات التي يتمنّون العيش فيها. فتمثّلت الصورة في الفردوس الموعود لدى القلعجي، وفي حلم رشيد أيوب، وكوميديا الفراتي متلفّعة بوشاح دينيّ.