فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 255

فمن المفترض أن يسبق وجود الشاعر في أجواز الفضاء أحداث أسهمت في وصوله إلى الفضاء كما تفرض بعض الأسئلة نفسها على المتلقّي، عن وسيلة الانتقال والأسباب التي دفعت بالشاعر إلى هذا العالم. إذ خالف الشاعر فوزي روح المنطق الذي يفترض مجيء نشيد الطيّارة في مقدّمة المطوّلة. وهذا شأن الشعر يخالف التوقعات دائمًا، حيث يقول:

صعّدِ الطّرفَ في الأثيرِ تجدْني ... قاطعًا في الأثيرِ ميلًا فميلا

خببًا تارةً، وطورًا وئيدا ... صُعُدًا مرّةً وأخرى نُزُولا

فوقَ طيّارة على صهوات الرّ ... يح راحَتْ ترّوضُ المُستحيلا [1]

وقد امتازت بعض البدايات بالطول إلى حدّ الإملال الذي يدخل السآمة على نفس المتلقي، بل ربّما أدّى هذا التطويل إلى بعثرة اهتمامه بالنصّ، الأمر الذي يسم النصّ بالجمود ويقرّبه من الأسلوب التقريري النثري.

ففي (ترجمة شيطان) يقدّم العقاد لمطولته ببداية فلسفية تعليلية يطرح فيها كثيرًا من الآراء الفلسفية في أساليب السياسة والملك والحكم والجبر والقدرية، حتى بلغت هذه البداية قرابة خمسة وثلاثين بيتًا، ليبدأ بعد ذلك كلّه رحلته، فيقول:

لا نُطيلُ القَولَ فالخَطبُ يسيرْ ... وحياةُ الإنسِ والجنّ هَدَرْ

خرجَ الشّيطانُ في الأرضِ يسيرْ ... ومنَ اللهِ إلى اللهِ الصّدورْ

لمحةٌ جازتْ بهِ مَشرِقَها ... ثمّ ردّتْهُ حيالَ المغربِ [2]

ونلمس مثل تلك البداية لدى الفراتي في قصيدته (في حانة إبليس) إذ يقدّم الشاعر للمتلقّي مبرّرات تستغرق أكثر من عشرين بيتًا بهدف إقناعه بسبب طرقه لمثل هذا الموضوع، فيقول:

عنِ الجنّ استمعْ منّي ... حديثًا فاتنَ الجرسِ

فما أحلى حديثَ الجنّ ... منْ راويهِ للإنسِ

وما أحلى حديثَ الجنّ ... في أيامِ كانونِ [3]

(1) المصدر السابق، ص: 86.

(2) العقاد، عباس، الديوان، ص: 275.

(3) الفراتي، محمد، النفحات، ص: 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت