فهرس الكتاب
وقد جاءت بعض الرحلات ذات بداية طويلة نوعًا ما، لكنّ طولها ليس مملًا كما سلف لدى العقّاد والفراتي. ففي قصيدة أنيس المقدسي (المعرّي يبصر) تساؤلات واستفسارات حائرة عن الكون والوجود والمخلوقات وأصلها. وقد قادت هذه التساؤلات الشاعر إلى الرحيل في عالم الخيال ليلتقي المعرّي الشيخ الضرير. وعليه فالبداية ليست من ضروب الحشو والتطويل بمقدار ما هي دافع ومحفّز للشاعر للرحيل، فيقول:
ووادٍ مظلمٍ أمسيتُ حينًا ... أهيمُ بهِ وأشقى في هُيامِى
بنفس مرّة ثقُلتْ عليها ... يدُ الأقدارِ في حلكِ الظّلامِ
وأرختْ حولها منْ كلّ جنبِ ... سدولًا قد نُسجنَ من الهُمومِ [1]
إلى قوله:
فلاحَ لناظري شبحٌ غريبٌ ... على كثب يُشيرُ بلا كلامِ
فأدنيتُ الخُطا منهُ وقلبي ... لما شاهدتُ في وجلٍ عظيمِ [2]
وهذا شأن رشيد أيوب في بداية رحلته (حلم في المريخ) إذ تبدأ بالتساؤلات والتفكير في حال الحياة على كوكب المريخ.
ولقد أخذت بعض البدايات صورة متساوقة مع سائر الأحداث في الرحلة الخيالية لدى الشاعر، رغم أنّ وضعها المنطقي يفقدها شيئًا من إيحائها الشعري، ولكنّها تبقى ذات أهمية لتناغمها مع أهداف الرحلة على نحو ما فعل عبد الفتاح القلعجي في ملحمة القيامة.
وتمثل النهاية الوقفة الأخيرة للأحداث المتنامية في القصّة الشعرية وخلاصة الموقف الذي أبرزه الشاعر في رحلته الخياليّة. وقد تنوّعت هذه النهايات من رحلة لأخرى. فبعضها كان خلاصة لرؤية الشاعر في الحياة وموقفه من الفنّ والشعر والحبّ. فمثلًا لم يجد شفيق معلوف خيرًا من الحديث عن أهمّية الحبّ لما فيه من الصلاح لأهل الأرض فيقول:
والحبّ في الجنّةِ ما شأنَهُ ... ولا أذى فيها ولا بُغضُ
ألقوهُ للنّار وإنْ أرمضتْ ... أقدامهُ المواطِئُ الرّمضُ
وليتلقّفْهُ شُواظُ اللّظَى ... وليتلّهمْ بعضهُ البعضُ
(1) المصدر نفسه، ص: 331.
(2) المصدر نفسه، ص: 331.