فهرس الكتاب
وهناك نهاية أخرى في آخر المطوّلة هي أشبه بالحكمة التي ينثرها العقاد كرأي له بنهاية هذا الشيطان الغرّ، فيقول:
باءَ بالسّخطِ فلا شيعتَهُ ... رَضيتْ عنه ولا أرضى العدا
وكذا العَهدُ بمشبوبِ القلى ... عارمَ الفطنةِ جيّاشَ الفؤادْ
أبدًا يهتفُ بالقولِ فلا ... يُعجبُ الغيّ ولا يُرضي الرّشاد [1]
وبين هاتين النهايتين تقف نهاية مفتعلة أملتها الروح التعليلية التي تحبّ تفسير كلّ شيء بأدقّ تفاصيله، حيث أنهى حديث الشياطين بسخرية من شيطانه فيقول:
فتلاحى القَومُ ثمّ استضحكوا ... ودعا مازحُهُمْ شَرّ دُعاءْ
قال فلتسلكْهُ فيمَنْ سلكُوا ... أيّها المولى سبيلَ الشهداء
وتقضّتْ بينهُمْ سِيرتُهُ ... ومَضى كالطّيفِ أو رجعِ الصّدى [2]
وربمّا كانت الرّوح التعليلية هي السبب الذي ألجأ العقّاد إلى هذا الاضطراب الذي أفسد النهاية في المطوّلة وجعلها غير منسجمة مع سيرورة أحداثها.
وربمّا ساق الخوف جميل صدقي الزهاوي إلى ادعاء ما أحدثه من ثورته الجحيمية حلمًا أثاره الجرجير، فكانت تلك النهاية الأكثر سلامة له في مواجهة خصومه إذ لايمكن أن يحكم عليه بالتحريض على الحكّام والسياسيين في الأحلام، فيقول:
وتنبّهتُ مِن مَنَامِيَ صُبْحًا ... وإذَا الشّمسُ في السَّماءِ تُنيرُ
وإذا الأَمرُ ليسَ في الحقّ إِلاّ ... حُلُمًا قَدْ أثارهُ الجَرجيرُ [3]
وتذهب بعض الرحلات إلى جعل النهاية جزءًا من الغاية التي خرجت لأجلها الرحلة فتأتي النهاية تتويجًا للعنت الذي لاقاه الشاعر في رحلته ليصل إلى مايراه سعادة في نهاية المطاف كما هو حال نسيب عريضة في قصيدته (( على طريق إرم ) )حيث قدّم الشاعر قلبه على مذبح الإخلاص في سبيل الوصول إلى إرم التي أوقدت ناره، فيقول:
نحوَ ذَاكَ الوميضْ ... سِرْ بنَا نستعيض
عَنْ ظَلامِ الحضيضْ ... وشقَاءِ الوُجُودْ
بسناءِ الوُعُودْ
(1) العقاد، عباس، الديوان، ص: 289.
(2) المصدر نفسه، ص: 288.
(3) الزهاوي، جميل، الديوان، ص:735.