فهرس الكتاب
فانتقلْنَا إلى فَضاءِ منَ البحَـ ... رانِ هَاروتُ فيهِ بعضُ حُماتِهْ
وملأْنَا من لفحِ قبْلاتِنَا الجوَّ ... م ... فعادَتْ بالنّفح من قبلاتِهْ
ثمَّ قُمْنا نجُيلُ في الكونِ أبصا ... رًا أرتْنَا مِنهُ حَقيقةَ ذاتِهْ
ننظُرُ النَّاسَ من عَلٍ مثلَما تنـ ... ـظُرُ نملًا يَمشي إلى غزواتِهْ
ونرى الطّودَ في السّهولِ كَما تُبـ ... ـصرُ فَوقَ التُّرابِ ظلَّ حَصاتِهْ
ونرى الموجَ في الخضمّ كَما تلـ ... ـمَحُ جَوًّا والسّحبُ في مِرآتِهْ [1]
وهذا شأن أنيس المقدسي في قصيدته (( المعرّي يبصر ) )حيث بدأها بالتساؤل الذي تحوّل فيما بعد إلى حيرة وضياع قاداه إلى المضي بعيدًا في أغوار نفسه، ليلتقي بشخصية تحوّل حبكة الأحداث وتأزّمها إلى الانفراج وتحوّل شخصية الشاعر من متشائمة إلى متفائلة وذلك كلّه في إطار الوحدة العضوية الناظمة، حيث يمثّل النشيد الثالث صورة التفاؤل المندغم مع النهاية.
وتسير مطوّلة الهمشري على هذا النحو إذ تنتظم أناشيدها وحدة عضوية تبدأ بصورة الشاعر الخائف الوجل، وهو يرقب الطريق إلى الشاطئ، حتّى تتحوّل دفّة الأحداث إلى السرور والفرح والإشراق في بروز لوحة الآلهة على صفحة الرؤيا، فيقول:
الشاعرُ: أيُّ نورٍ هذا الذي يَبهرُ الأُفـ ... قَ ويَزهُو مُغشّيًا جُنباتِهْ
الآلهةُ: هُو ياشاعري الصّغيرَ ركابي ... ويشعُّ الضيّاءُ مِن مِشكَاتِهْ
قدْ تخطّى إليكَ كلَّ هُبوبٍ ... ومسفُّ اللجّاتِ في مائجاتِهْ [2]
ثم تعود الرؤية لتتغلّف بالتشاؤم والألم في الأناشيد الباقية حتّى تصل إلى النهاية التحريضية، فتكون مراحل الشخصية وتحوّلاتها: الخوف، فالمعاناة، فالتحريض.
(1) المصدر السابق، ص:158-159.
(2) شرف، عبد العزيز، الهمشري شاعر أبولو، ص: 123.