فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 255

ففي ثورة الزهاوي بدأت الصورة الدرامية بين الشخصيات الرئيسية: (( الشاعر والملكين ) )ومن خلفهما الاتجاهات الفكرية لكليهما فالشاعر يمثّل العلم والفكر، الضعيف المقهور، والملكان يمثّلان الدين المتسلّط، فيقول:

واقفًا لي كأنّما هُو نَسرٌ ... وكأنّي أمامهُ عُصفورُ [1]

كما يسهم الحوار في إبراز ملامح الصراع بما يعكسه من مظاهر نفسية للملك والشاعر متضافرًا مع الصورة الشعرية، فيقول:

قالَ: مَن أنتَ؟ وهْوَ ينظرُ شَزْرًا ... قُلتُ: شيخٌ في لحدِهِ مَقبورُ [2]

ويتنامى الصراع شيئًا فشيئًا بين الشاعر الذي يمثّل المادّية العقلية، والملكين اللذين يمثّلان الدين، ويصل الصراع ذروته في المعركة الحاسمة بين أنصار كلا الطرفين الفريق الأوّل فريق الشاعر والفلاسفة والعلماء والفنّانين والشياطين، والثاني فريق الملائكة الموكلّين وملائكة جهنّم وتسفر هذه المعركة عن انتصار جيش العلم ضدّ الدين. ونلحظ عكس هذا الصراع لدى القلعجي في ملحمة القيامة.

ونقف على شكل آخر من الصراع: إنّه صراع يكشفه الحوار الداخلي ويشبه إلى حدّ بعيد ما يسمى في الرواية الحديثة (( تيار الوعي ) )وقد تجلّى ذلك في (( على طريق إرم ) )لنسيب عريضة لأنّها تقوم على أساس استبطان الذات الإنسانية وقواها الروحية والماديّة، ومحاولة التوفيق فيما بينهما للوصول إلى الهدف المنشود، ولكن هذه المحاولة ولّدت الصراع بين المتناقضات، وسقوط كليهما أمام الامتحان ممثّلًا للأوّل بالقلب والثاني بالعقل، وقد أسقط كليهما لقناعته بعجز أحدهما دون الآخر برفع الذات الإنسانية إلى أعلى درجات الكمال، فيقول:

فقالَ عقلِي: لماذا ... تُمالِئُون الضّلولا

بئسَ الدليلُ انتخبتُمْ ... قلبًا غويًّا عليلا

يسيرُ نحوَ مكانٍ ... قَدْ استحالتْ طلولا

قْفوا بنا واستريحوا ... ثمَّ اتبعوني دَليلا

فصاحَ فينَا فُؤادي ... حَذارِ هذا العذولا

(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:715.

(2) المصدر نفسه، ص:716.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت