فهرس الكتاب
ففي قصيدة (( على بساط الريح ) )يكون الفضاء الرحب هو حيز الرحلة المكاني، ويمتاز هذا الحيز بصفات تصبغه بصباغ جمالي خاصّ قد لاتتوافر في غيره من الأماكن فهو مأوى الأرواح المتحرّرة من قيود المادّة والجسد، فيقول عنه:
في عُبابِ الفَضاءِ فَوقَ غيومِهْ
فوقَ نَسرِهْ
نجمتِهْ
مَوطِنُ الشّاعِرِ المحَلّقِ مُنذ الـ ... ـبدءِ لكنْ بروحِهِ لابجسمهْ
أنزلَتْهُ فيهِ عَروسُ قوافيـ ... ـهِ بَعيدًا عن الوجُودِ وظُلْمِهْ
مَلكٌ قبّةُ السماءِ لَهُ قصـ ... ـرٌ وقَلبُ الأثير مَسرَحُ حكمِهْ [1]
إذًا هو مكان تتحقّق فيه العدالة بأزهى مايحلم به الإنسان، ويقابل هذا المكان الواسع الرحب عالم من الضيق والقتامة والظلم يحاول أن يفرض قوانينه على الشاعر إنّه أرضه التي ولد عليها. وبين هذين المتناقضين يتخلّق صراع يتناوب أناشيد المطوّلة إلى أن يحصل الشاعر على بغيته في العيش في المكان الروحي بضع لحظات يسترقها من غفلة الدهر عنه بعد تحرّره من المكان المادّي المظلم.
وهذا شأن كثير من شعراء الرحلات الخيالية الذين اتصف لديهم المكان بالازدواجية فمكان الحلم المخيّل واسع رحب ذو صباغ خاصّ والمكان الواقعي فاسد مستعبد ضيق. يقول إبراهيم الهوني:
ركبْتُ عَلى ظَهرِ الخَيالِ فَطافَ بي ... عَوالِمَ أرقى مِن عُويلمِنَا السُّفلِي [2]
ويفعم قلبه بالأسى حين يوقن إنّه عائد إلى عالمه الشرير الذي فرّ عنه، فيقول:
فقلْتُ: أبي أبغِي المُكوثَ بساحِكُمْ ... مللْتُ لَعمري عِيشةَ الضنّكِ والذّلِّ
فَقالَ: مُكوثُ المرءِ عندي محرَّمٌ ... إذَا لمْ يُطهّرْ بالممَاتِ مِن الغِلِّ
فقلت: سَلامُ اللّه ثمَّ تركْتُهُمْ ... وأُرِجعْتُ رَغمَ الأَنفِ للعَالمِ السّفلي [3]
(1) معلوف، فوزي، على بساط الريح، ص:61.
(2) الهوني، إبراهيم، الديوان، ص:36.
(3) المصدر نفسه، ص:40.