فهرس الكتاب
وكذلك أخذ مكان الرحلة عن الفراتي امتداده الواسع الذي صبغ شخصياته بطابعه فهو مثالي واسع خيّر، في حين يرى كوكبه الأرضي كما رآه سابقاه، فيقول:
فقالَ: اقتِربْ مِنّي فأًسرعتُ نحَوَهُ ... ومثلي بتَمحيصِ الحقائق مُغرَمُ
نظرتُ إذا جيشٌ هنالِكَ زاحِفٌ ... على مثلِهِ والجوُّ أغبرُ أقتمُ
وفي ساحَةِ (الرّينِ) الجُيوشُ مُخفّةٌ ... تساقِي الردّى والأَرضُ يغمرُهَا الدَّمُ [1]
وقد انفرد المكان في قصيدة (( اللّه والشاعر ) )لمحمد حسن فقّي عن باقي الرحلات الخيالية إذ اختار الحضرة الإلهية مكانًا للرحلة الخيالية وهو مكان يتصف باللاتناهي والاتساع والعلو العظيم، ورغم ذلك فهو تقليدي لايتعدّى وصف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لوقوفه في رحاب الحضرة الإلهية. يقول الشاعر:
في رحاب السّماء في المَلأِ الأعـ ... ـلى تغشّى الوجودَ عِطرٌ ونَورُ
وتجلّى سُبحانهُ فإذا الكو ... نُ جَلالٌ بنوره وحُبورُ [2]
وقد أسهب رشيد أيوب في وصف مكانه العلوي الذي تخيّل وجوده على كوكب المريخ حتّى بلغ وصفه حوالي ستة مخمسات، رغم أن كوكب المريخ مكان واقعي، لكنّ الوصف عندما اقترن بشاعرية رشيد أيوب ونتاج خياله الإبداعي امتاز بخصائص مميّزة، شاعرية قبل كلّ شيء، رغم أنّ وصفه تقليدي يمكن أن نلمح تأثير قصص ألف ليلة وليلة فيه، فيقول:
وفيهِ رِياضٌ باللطّائِفِ تُوصَفُ ... وفي وسطِها عينٌ من الدرِّ تَذرِفُ
يمرُّ بها صَافِي النّسيمِ فتألَفُ ... ويطربُهَا صوتُ النّعيم فتعطِفُ
وتبقى دُهُورًا والصّفا مُتتابَعُ
مغانٍ مِن الياقُوتِ تُبنى قُصورُهَا ... وقَد كوّنَتْ حَصباؤُهَا وصخورُهَا
وِمنْ تحتِها الأنهارُ قَد شفَّ نُورُها ... يعزُّ على طيرِ السِّماءِ عُبورُها
ومِنْ فَوقِها بَرقٌ مدى الدّهرِ لامعُ [3]
(1) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، ع3-4 ص:148.
(2) فقي، محمد حسن، الديوان، مج1، ص:80.
(3) أيوب، رشيد، الأيوبيات، ص:154.