فهرس الكتاب
وهناك شكل آخر للمكان في الرحلة الخيالية هو المكان الميتافيزيقي الذي يبدو غير مألوف في الأدبيات، إلاّ في القديمة التي أشارت إليه بلمحات خاطفة، لذا كانت الأوصاف التي قدّمها شعراء الرحلات الخيالية مبتكرة جديدة فـ (( على شاطئ الأعراف ) )مطوّلة رسمت ملامح غير مألوفة للشاطئ الذي تلوّن بمخاوف الشاعر وآلامه من الموت والحب الفاشل، رغم محاولته بثّ روح الأمل في أرجائه بين فينة وأخرى، فيقول:
في انتحاءٍ عَن العوالِم قَاصٍ ... حَيثُ يَرقى السكونُ مرقَى الفَضاءِ
وطُيورُ القَضاءٍ تَنعَبُ في المَو ... تِ نعيبًا يَزيدُ هَولَ الفنَاءِ
غَيرَ أنَّ السّكونَ ينهشُهُ نهَـ ... ـشًا ويَمشي الحفي على الضُّوضَاءِ
سَرمديُّ البقَاءِ يحكُمُ في المّو ... تِ ويبقَى على بَقاءِ البَقاءِ [1]
وتبدو الصورة المكانية وهمية مبتكرة يقرّبها البعد الأسطوري كثيرًا من الصورة الحسية فيقول:
هو وادٍ للمَوتِ ينشُرُ فيهِ ... شِبهَ دُنيا تَفنَى وشبهَ حَياةِ
يَبسُطُ الوقْتُ كالخضَمِّ ليطويـ ... ـهِ ويَعدُو عليهِ كالسّعلاةِ
مزّقَتْ نفسَها الرّياحُ عليهِ ... داوياتٍ من فوقِهِ مُعوِلاتِ
لغطٌ يشبِهُ الحياةَ بما تحـ ... ـوِي ولكِنْ خلوٌ من الأصواتِ [2]
ولقد أسهب الشاعر في وصف الطريق إلى الوادي ومافيه من دياجير وأهوال تمزّق على أرصفتها الروح لوعة وأسى، كما أسهب في وصف الشاطئ حتّى وصل في الوصف ثلاثين بيتًا تقريبًا، إضافة إلى أماكن أخرى في المطوّلة، كقبر الليالي، وقصر الحياة، وسفائن الموت.. وغيرها.
(1) شرف، عبد العزيز، الهمشري شاعر أبولو، ص:137.
(2) المصدر نفسه، ص138.