فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 255

أمّا وصف الزهاوي للعالم الماورائي بدا تقليديًا واسعًا متنوّعًا وأوّل المنازل التي نزلها الزهاوي القبر (( أوّل منازل الآخرة ) ) [1] ويظهر أن الشاعر لم يسهب في وصفه له إذ لم تكن الغاية الوصف بل عكس الحالة النفسية التي كان عليها الشاعر حين أيقظه الملكان في قبره، فيقول:

فبدَا القَبرُ ضَيّقًا ذَا وخُومٍ ... مابهِ للهَواءِ خَرقٌ صَغيرُ

إنّه تحَتَ الأَرَضِ إلاّ قَليلًا ... مَنزِلُ المرْءِ ذي الطّموحِ الأخيرُ

ألمنْ خابَ حُفرةٌ ذاتُ ضيق ... ولمنْ فَازَ روضَةٌ وغَديرُ [2]

ثمّ تأتي جهنّم بعد القبر وهي مكان يذهل القلوب عن كلّ غالٍ وعزيز، وهو في وصفه متكئ على أوصاف القرآن ولم يزد عليها شيئًا، فالوصف تقليدي معروف، فيقول:

ولَهُمْ فيها كلَّ يومِ عذابٌ ... ولهْمْ فِيها كلَّ يومٍ ثُبورُ

ثمَّ فيها عقاربٌ وأفاعٍ ... ثمَّ فيها ضَراغِمٌ ونُمورُ

يضرَعُ المجرمونَ فيها عِطاشًا ... والضّراعات مَالها تأثيرُ.. [3]

كما أنّه أسهب في وصف أهوال هذا العذاب حتّى بلغ وصفه قرابة سبعة وعشرين بيتًا.

وقد لقي المكان في (( ملحمة القيامة ) )اهتمامًا كبيرًا من الشاعر عبد الفتاح القلعجي، فالجحيم مكان مرعب مهول بكلّ مافيه ملامح وجزئيات وعناصر أخرى متمّمة، وقد اعتمد الشاعر على الوصف القرآني القائم على التشخيص في عرض صورة النّار، فيقول:

كالفكّ المفترسْ

وتفُورُ، تميّزُ غَيظًا تلتهم الجَسدَ الأَعمى [4]

وهي مكان عريض واسع لكنّها ليست سعة السعادة والحريّة، بل سعة العذاب والألم والحسرة، هي سكن ولكنّه لايحمل في طياته ذكريات الماضي الجميل وهي بيت ولكنّها ليست ككلّ البيوت فهي ذات أبواب كثيرة وكلّ باب يحمل خلفه ألوانًا من العذاب تميّزه عن بقية الأبواب الأخرى.

(1) الترمذي، سنن الترمذي، دار الفكر، دمشق، 1983، حديث رقم: 2230.

(2) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:715.

(3) المصدر نفسه، ص:730.

(4) القلعجي، ملحمة القيامة، ص:141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت