فهرس الكتاب
ولم يزد الزهاوي في وصفه للجنّة على ماقدّمته آيات القرآن الكريم وأحاديث الإسراء والمعراج، وقد وصلت أبياته في وصف الجنّة إلى خمسة وثلاثين بيتًا، غير أنّ المكان: أي الجنّة، لم تشكّل لديه صورة الفرح الغامر لأنّه حمّله الأسى والألم، فالملكان لم يرياه الجنّة إلاّ ليتحسّر على مافاته من نعيمها، فيقول:
ولقدْ رُمتُ شُربةً مِن نَميرٍ ... فتيمّمتهُ ففرَّ النّميرُ
وتذكَرتُ أنّني رجلٌ جيء ... م ... بهِ كي يُراعَ منهُ الشّعورُ [1]
أمّا القلعجي فهو أكثر شعراء الرحلات اهتمامًا بجمالية المكان فقد وجد مثاليته في العقيدة الإسلامية، وجمّل في ملامحه وزيّن، إضافة إلى الجمال الذي تبعثه معاني القرآن الكريم وأوصافه التي ضمّنها كثيرًا من أناشيده عن الجنّة ومافيها.
وتبدو صورة الجنّة لدى الفراتي مبتكرة لم تأخذ شيئًا كثيرًا من معاني القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وقد تمثّلت صورتها في كوكب العباقرة، فكلّ شيء في هذا الكوكب متميّز: التربة من الذهب والأحجار الكريمة، والدّور تشعّ بلا كهرباء والبشر ليسوا بشرًا كالذين وصفهم القرآن من أهل الجنّة فهم يتخاطبون بلغة الفكر، والزمان فيها غير الزمان المعهود، فيقول:
وتشعرُ بالثوانِي حينَ تمضِي ... ولمْ تَكْحُلْ بغُمضِ مُقلتاهَا
ويبنِي كلُّ فردٍ في أوانٍ ... صُروحًا يُعجِزُ الدّنيا بناهَا
عباقِرُ تخلُقُ الأشياءَ خَلقًا ... ولمْ تُنكرْ خوارقُها الإلهَا [2]
وهكذا جاءت الصورة الزمانية والمكانية للرحلة الخيالية ذات طابع مميّز تراوح بين الحلم والخيال اللذين لايخضعان لقوانين الزمان والمكان الواقعيين فبدت الرحلة التي تحتاج آلاف السنين لقطع أشواطها تنقضي في حلم بين ليلة وضحاها.
(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:729.
(2) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية مجلة الحديث، ع7، ص:351.