فهرس الكتاب
أمّا الزهاوي فقد بدت ملامحه الخارجية منعكسًا لحالته النفسية إذ هو شيخ ضعيف لاحول له ولاقوّة، وله صورة أخرى في النار تعكس آثار العذاب الذي لاقاه، فيقول:
قالَ مَن أنتَ وهو ينظرُ شزرًا ... قلتُ شيخٌ في لحدهِ مقبورُ [1]
وهو في النار مشوّه يقول عن حاله:
ثمَّ بقسوةٍ ومن فوقِ رأسي ... قَطِرانًا لسوءِ حظّي يفورُ
فشوَى رأسي ثمَّ وجهيَ حتّى ... باتَ مثلَ المجدورِ فيهِ بُثورُ [2]
أمّا بقية الشعراء فتبدو صورهم غائبة في هذا المحور الشكلي إلاّ أنّنا يمكن أن نقف على صوتها وفكرها وعلاقاتها بالمجتمع.
للمجتمع دور مهم في رسم شخصية الشاعر من خلال علاقة الأنا الأدنى (الفرد) بالأنا الأعلى (المجتمع) . إذ غالبًا ما يشكّل الأخير قمعًا وقهرًا للأوّل حتّى يشوّه فيه كلّ جميل وينفّر منه كلّ أشكال البراءة. على نحو ماوقع لفوزي معلوف مع الطيور والنجوم والأرواح، فيقول على لسان نسر:
إنَّ قلبي لموجسٌ منهُ شرًا ... رُحْ بنا نجتلي حقيقَةَ أمرِهْ
آدميٌّ هذا؟ أجابَ أخوهُ! ... جاءَ يستعمرُ الأثيرَ بأسرهْ [3]
وفي عبقر تفرّ العرّافة والجنّ من حولها من رؤية الشاعر، بل إنّها لتخشى على ثعبانها من شرّه، فيقول:
ودَدتُ يا غادرُ لو أنّني
أطلقتُ ثعبانيَ لاينثني
عنكَ فيرديكَ، ولكنّني
أخشَى على الثّعبانِ مِن غَدركْ
في نابهِ السّمُّ كانْ
وصارَ في صدركْ [4]
وهذا شأن أغلب الشعراء الذين ينزعون منزعًا رومانتيكيًا يرى الإنسان شريرًا بفطرته، كإبراهيم الهوني والعقّاد وعريضة.... وغيرهم.
(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:716.
(2) المصدر نفسه، ص:726.
(3) معلوف، فوزي، الديوان، ص:94.
(4) معلوف، شفيق، عبقر، ص:166.