فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 255

وكان الشيطان أبرز شخصية بعد الإنسان في معظم الرحلات الخيالية، ولقد استقرّ في عرف الدراسات الاجتماعية والدينية أنّ الشيطان رمز الشرّ الأوّل على الأرض، فلا يكاد يذكر إلاّ وذكر مرادفًا له الخراب والدمار والشرّ حتّى إنّ العرب سمّت أحد الشياطين بـ (( ثبر ) )ويعني الهلاك. لكنّ الرحلة الخيالية رأت فيه وجوهًا وأقنعة متلوّنة جعلته شخصية متميّزة وفاعلة ومنفعلة مع الأحداث. فهو في مطوّلة عبقر صديق معين على قضاء الأرب، رغم صورته المقزّزة التي رسمها الشاعر له، فيقول:

كأنّهُ لمّا بدا خُفيةً ... قَذَفهُ مِن الثّرى وسَاحِرُ

في فَمهِ مِن سَقرٍ جَذوةٌ ... منها يطيرُ الشّرُ الثّائِرُ

ووجهُهُ جُمجمةٌ راعني ... أنيابُها والمِحجرُ الغائِرُ

كأنّما مِحجرُها كوّةٌ ... يُطلُّ مِنها الزّمنُ الغابِرُ [1]

غير أنّ الصورة الأخلاقية والاجتماعية لإبليس تظهر في نشيد أبناء إبليس الخمسة الذين يمثّلون المفاسد الاجتماعية وآفاتها، وقائدهم في ذلك شيطان الكذب، هذه الآفة التي تسوق المجتمع إلى شفير الهلاك والدمار.

أمّا في (( ترجمة شيطان ) )فتكون صورة إبليس أقرب ماتكون إلى الحقيقة التي اكتسبتها منذ أقدم العصور فهي محنة للبشر على الأرض رماهم اللّه بها ليفرّقوا من خلالها بين الخير والشرّ، فيقول:

قالَ كُوني مِحنةً للأبرياءْ ... فَأطَاعَتْ يَالَها مِن فَاجرهْ

ولو اسطاعَتْ خِلافًا للقضاء ... لاستَحقَّتْ منهُ لعنَ الآخرهْ [2]

وتظهر روح الثورة والتمرّد ملازمة للشيطان من ظاهر النصّ فهو متمرّد على خلقته التي جُبل عليها وعلى محنته التي امتحن فيها، وهي إغواء ذوات الذنب، على حدّ زعم العقّاد يقول:

سَخِرَ الشّيطانُ مِنْ قِسْمَتِهِ ... ومِنَ الأَرْضِ ومَا فَوْقَ السَّماءْ

ومَضَى يَهْجِسُ في مَحْنَتِهِ ... (( ألهذا تُسْتَذَلُ الكبرياءْ ) )؟ [3]

(1) معلوف، شفيق، عبقر، ص:147.

(2) العقاد، عباس، الديوان، ص:272.

(3) المصدر نفسه، ص:274-275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت