فهرس الكتاب
لَمْ يَرُبْنِي أَمْرُ الصِّراطِ مُقَاما ... فَوقَ واد منَ الجحيمِ يَفُورُ
غَيْرَ أنّي أُجلُّ رَبِّي مِن إتـ ... ـيانِ مَايَأبَاهْ الحَجَا والضَّميرُ [1]
وهذا ديدن الزهاوي وغيره من شعراء الرحلات في توظيف الحوار الخارجي (( الديالوج ) )في بنية العمل الشعري إذ يؤدّي الحوار إلى كشف ملامح الشخصيّات المتحاورة. وقد يرسل الكلمة أو العبارة فتكشف عن الانفعال السائد أو الموقف المراد التعبير عنه، ونلمس مثل هذه الحواريات لدى محمد الفراتي في (( الكوميديا السّماويّة ) )، وحانة إبليس، وأنيس المقدسي في (( المعرّي يبصر ) )ومحمد حسن فقّي في (( الكون والشّاعر ) )و (( اللّه والشّاعر ) )و (( جحيم النّفس ) )ونسيب عريضة في (( على طريق إرم ) )وغيرهم.
الحوار الداخلي (( المناجاة ) ):
هو ذلك الشجن الداخليّ الذي ينجم عن انشطار نفسي تعانيه الشخصيّة في لحظات تأزّمها وشعورها بالاستلاب فـ (( تكون المناجاة الذاتية اللغة الممكنة حين تصل الأزمة ذروتها ) ) [2] .
و (( على بساط الريح ) )يعاني المعلوف أزمة حقيقية تمزّقه بين نوازع الروح وتطلعاتها نحو الانطلاق والرحابة والسعة وقيود الجسد وماتتبعه هذه القيود من حياة وموت وقوانين وحبّ وكره... وقد خلقت هذه الأزمة حالة استلاب وقع الشاعر بين براثنها فجاءت قصيدته صدى لهذه الحالة، ثمّ لتتحول في كثير من الأناشيد إلى مناجاة نفسيّة كما هو الحال في نشيد (( العبد ) )إذ يبدو التكرار اللاشعوري لكلمة عبد محرقًا مولّدًا لهذه المناجاة التي تعكس روح اليأس والقنوط والتشاؤم اللّهمّ روح الشاعر، فيقول:
كُلُّ مابي في الكَوْنِ أَعْمى وَمُنْقَا ... دٌ على رَغْمِهِ لأَعَمَى نظِيرهْ
غيَرَ رَوْحي فالشّعرُ فكَّ جَنَاحَيْـ ... ـها فَطَارَتْ في الجوِّ فَوْقَ نُسورِهْ
(1) المصدر نفسه، ص:719.
(2) عيد، رجاء، لغة الشعراء، منشأة المعارف في الاسكندرية، 1977، ص:46.