فهرس الكتاب
تَنْتَحي عَالَم الخُلُودِ لِتحَيا ... حُرّةً بَيْن رُوْضهِ وغَديرِهْ [1]
ونقع على أمثال هذه المناجاة الذاتية التي تعكس القلق والحيرة لدى أنيس المقدسي في (( المعرّي يبصر ) )فهو يهجس بهذا الكون الذي يحيط به، فيتساءل عن البارئ الذي فطر هذا الكون، أهو على مثال البشر أم غير ذلك؟ فيقول:
هلِ الدّنْيا سِوى مَجْرَى رحيبٍ ... جَرَتْ فِيهِ الخَلائِقُ مِنْ قَديمِ
إلى بحرِ الفَناءِ ولا رُجوعٌ ... لها مِنْ ذلكَ البَحْرِ العظيمِ
مَنِ الإنسانُ ما هذي البرايا ... وما في الكونِ من سرٍّ بهيمِ؟
وماذا في السَّماءِ مِنَ الدّرارِي ... فهلْ فيهِنَّ مِنْ عقلٍ عليمِ؟ [2]
ويسوق هذا الحوار الداخلي الشاعر إلى صديق قديمٍ ضالّ يقف في الممرّ العابر بين نور الحقيقة المشرقة وكهف الظنون والأوهام، ليدلّه إلى ذلك النور البعيد الذي تنجلي به أوهام المادّية وتتهاوى على صلابته صروحها، فيقول:
وحَاذِرْ أَنْ تعودَ إلى ديَاجِي الـ ... ـشّكُوكِ فَمَا بِها للنَّفسِ نُورُ
ولَيْسَ سَعادَةُ الإِنْسَان وهمًا ... لمِنْ في صَدْرِهِ قَلْبٌ كبيرُ
ولَيْسَ العِلمُ يَروي نَفْس صَادٍ ... فما علْمُ الأنام سِوى رجومِ [3]
أما قصيدة نسيب عريضة فتعدّ محاولةً جادة لاستبطان الذات البشريّة بكلّ قواها الروحيّة والعقليّة والعاطفيّة، وتحديد أدوات وجودها فكانت القصيدة حوارًا داخليًا بين الشاعر ونفسه وعقله وقلبه وروحه، هؤلاء الذين ألّفوا ركبه نحو إرم، فيقول:
قدْ كانَ في الركبِ قَلبِي ... وَمُهجَتِي وَهوايَا
والعقْلُ حامِي السَّرايَا ... والشَّوقُ زَاجي المَطايَا
وفي الهَوادِجِ حُلمِي ... ورغْبتِي والطَّوايَا
بناتُ صدْرِي وشِعْري ... والذّكرياتُ الحَظايَا
وساجراتُ الأمانِي ... وعَائِلاتُ الخَطايَا [4]
(1) معلوف، فوزي، على بساط الريح، ص:79.
(2) المقدسي، أنيس، المعري يبصر، مجلة المورد الصافي، ص:329.
(3) المصدر السابق، ص:335.
(4) عريضة: نسيب، الأرواح الحائرة، ص:189.