فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 255

ويكشف هذا الحوار عن النفس القلقة التي تحاول أن تفتح أمامها آفاق الرؤى في هذه الحياة من أوسع أبوابها، وهي المعرفة هذه النار السماويّة التي توقّدت في إرم الروحيّة التي يقول عنها:

تلكَ نارٌ تَشيقْ ... كلَّ طَرفٍ طليقْ

هَلْ إليها طريقْ ... غيرُ دربِ اللُّحودْ

إذْ تُحلُّ القُيودْ

تِلكَ نارُ القِرَى ... والجياعُ الورَى

مَن إليها سَرَى ... ما أراهُ يَعودْ

بلْ سَيغْدو الوقودْ

تِلكَ نارُ العَلمْ ... أوقِدتْ في إرمْ

قَبلَ عَهدِ القِدَمْ ... ما لها مِن خُمودْ

أوَ تزولُ العهودْ [1]

ومن المنولوج في الرحلات الخياليّة ماينمّ عن نزعة تأمليّة لاتكشف عن تمزّق نفسيّ أو معاناة يعانيها الشاعر، بل يكون هذا المنولوج وسيلة كشف ومعرفة، وهذا يتجلّى واضحًا في قصيدة رشيد أيوب (( حلم في المريخ ) )التي يتساءل فيها قائلًا:

يقولونَ: في المريخِ قومٌ كَشِكْلِنَا ... أناسٌ لهُمْ عَقْلٌ يُناجي كعَقْلنِا

فهلْ أصْلُهمْ نَوعُ التّرابِ كَأصلِنا ... وهلْ يجْهلونَ الكَائِنات كَجهلنِا [2]

كما تتجلّى حالة الاستلاب (( الأزمة الداخلية ) )في لغة المنولوج واضحة في حوار الفقّي مع نفسه في (( جحيم النفس ) )فهو يحملّها مآسيه وصراعه الذي يمزّق روحه بين نوازع الخير والشرّ، ويحاول أن يقود النفس إلى النّار كمحاولة تطهيريّة لها للتخلّص من أوضاع الصراع التي لوّثت نقاءها، فيقول:

أيُّها النَّفْسُ بَيْنَ جَنبَيكِ نَارٌ ... تَتَلظَّى تَفُوقُ نَارَ الجَحيمِ

فارْحَمينِي مِنَ الضَّريمِ فإنّي ... لَمْ أذُقْ في اللّظَى كَهَذا الضّريمَ [3]

وهكذا ساهم الحوار في الرحلات الخيالية بشكل فعّال فأبرز -بنوعيه- ملامح الشخصيّات المتحاورة وأزماتها النفسيّة والفكريّة التي يراد التعبير عنها كما رسم صورة الصراع المستديم بين الرّوح والمادّة والواقع والمثال.

(1) المصدر السابق، ص:196.

(2) أيوب، رشيد، الأيوبيات، ص:150.

(3) فقي، محمد حسن، الديوان، مج1، ص:225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت