فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 255

ثالثًا: التناصّ (( الاستدعاء الثقافي ) )

يمثّل التناصّ رافدًا ثقافيًا يعتمد عليه الشاعر في بناء عمله الفنّي متكئًا على ثقافته التراثية سواء أكان هذا الاتكاء شعوريًا أو لاشعوريًا. ومن ذلك قول الزهاوي:

قَلتُ في خَشيةٍ (بَلى) وفُؤادِي ... مِن شَعاعٍ بهِ يكادُ يُطيرُ [1]

فهو يستدعي بصورة مباشرة قول قطريّ بن الفجاءة حين يصف نفسه التي يخاطبها في موضع الإقدام، فيقول:

أقولُ لها وقدْ طارتْ شَعاعًا ... مِن الأبطالِ ويحكِ لنْ تراعِي [2]

وفي (( الكوميديا السماوية ) )يتناصّ الفراتي في قوله:

وأجْفَلَ مُرتَاعًا وأجهشَ بالبُكا ... ونَاحَ كَما نَاحَتْ عَلى الإلف أيّمُ [3]

مع صورة الحمام الباكي على فراق المحبوب لدى بعض الشعراء العذريين، كقول المجنون:

فَقُلْتُ: حَمامَ الأَيكِ مَالَكَ بَاكيًا ... أَفَارقْتَ إلفًا أَمْ جَفَاكَ حَبيبُ

فقَالَ: رماني الّدهر مِنهُ بَقوسِهِ ... وأَعْرضَ إلَفِي فَالفُؤادُ يَذوبُ [4]

أمّا قول الفراتي:

وأمضَى المُنَى أَنْ يصطدِمَ الأرضَ كوكَبٌ ... عَظيمٌ بِهِ أركانُهَا تَتَهدَّمُ [5]

فهو يستدعي بصورة مباشرة نظرية لعلماء الجيولوجيا مفادها أنّ عصر الديناصورات انتهى بسبب ارتطام نيزك عظيم بالأرض فوقع جراء ذلك انفجار هائل نجم عنه سحب كثيفة من الدخان الأسود غطّت وجه الأرض لعدّة شهور. وقوله:

رَفائيلُ أحوالُ البَسيطَةِ جَمَّةٌ ... فمنْها سَحيلٌ لو عَلمْتَ ومُبْرَمُ [6]

يستدعي بصورة مباشرة قول زهير في مدح هرم بن سنان والحارث عن عوف:

(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:717.

(2) أبو تمام، ديوان الحماسة، شرح الخطيب التبريزي، عالم الكتب، بيروت، ج1، ص:1/50.

(3) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، ع3، ص:147.

(4) المجنون، الديوان، تح. فرج عبد الستار، دار مصر للطباعة، (د.ت) ، ص:58.

(5) الفراتي، محمد. الكوميديا السماوية، ع3-4، ص:149.

(6) المصدر نفسه، ص:150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت