فهرس الكتاب
ويعود الشاعر الجسد إلى الأرض ليعاني آلام العبوديّة من عبوديّة جسد وقوانين وحاجات ماديّة، ولتبقى الروح محلّقة في سماء الحريّة لا تعرف ذلًا أو هوانًا، ويبقى الشاعر الفقّي أكثر تفاؤلًا من فوزي معلوف لأنّه يؤمن أنّ الخير سينتصر على الشرّ وأنّ الشعر سبيل إلى تحقيق حلم الحريّة والخلاص، فيقول:
تَبَاركَ اللّهُ فَكَمْ شَاعِر ... يُطَاوِلُ المُلكَ وتيجانَهُ
لمْ يَعرِف الذّلَ ولا قَينَهُ ... ولا وَعى المكرَ وأشْطَانَهُ
فعَاشَ لا يُرهِبُهُ دُهْرُهُ ... إِسْرَارُهُ شَابََ إِعْلانَهُ [1]
وهكذا ظلّت الحريّة والخلاص من هموم الواقع هاجسًا يحرّض الشعراء ويدفعهم حثيثًا للمضيّ قدمًا في رحلاتهم الخيالية عسى أن يحققوا ما فقدوه في عالم الناس، غير أنّ هذا الحلم تلفّع بالسوداويّة والتشاؤم عند فوزي معلوف، في حين أخذ مسحة من التفاؤل الديني عند محمد حسن فقّي.
* الحيرة والقلق:
ويمثّل نسيب عريضة في رحلته (( على طريق إرم ) )القلق وظاهرة الاغتراب الروحي التي تكشف عن توق الشاعر في رحلته الخيالية إلى التماس أدوات وجوده وحاجاته التي تحقق كنهه الإنساني الحرّ. ولعلّ المعرفة أرقى هذه الأدوات التي يبحث الشاعر عن شعلتها. ولكي يصنع الشاعر ذلك خلق عالمًا غرائبيًا خفيًّا وكوّن لذلك ركبًا يحمل ظعنه، وما إن يبدأ بالمسير حتّى تستحوذ عليه الحيرة والتردّد فالطريق مليء بالعثرات والحيرة تنشر شباكها في كلّ مكان، فيقول:
أهيمُ في الدُّجَى مثلَ أعمَى ... جَاعَ ولا يُحسِنُ السُّؤالْ
يَهُزُّنِي في الدُّجَى حَنينٌ ... إلى الذي مَرَّ من وِصالْ
هَلْ مِنْ سبيل إلى رجوعٍ ... هَلْ من طريق إلى وُصُولْ
تَهيمُ نَفسي ولسْتُ أَدْري ... بحاصِلٍ أو بمُستحيلْ
يا صَاحِ قَد حِرتُ أينَ أمضي ... والسُّبْلُ ضّلَّتْ عَن الضّلولْ [2]
(1) المصدر نفسه، ص: 53.
(2) عريضة، نسيب، الأرواح الحائرة، ص: 180.