فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 255

ويبقى الشاعر مصرًّا عى المضي قدمًا في رحلته متوسلًا بشتّى الأدوات والمطايا متجاوزًا كلّ الأشواك والعقبات التي تساقط أمامها أفراد ركبه واحدًا تلو الأخر حتّى مايبقى إلاّ روح الشعر المفعمة بالأسى تبكي أطلال الركب فيحاورها الشاعر بحوار تلقي عليه العاطفة الحزينة ظلالًا متسربلة بالتشاؤم، فيرى كلّ نفيس وثمين في حياته يعود لسراب وخواء، فلا مرشد له في رحلته إلى طريق النور إلاّ نفسه التي يلوذ إليها يستحثّها أن تستنهض عرائس الشعر لتصل به إلى الأمل المنشود، فيقول:

يا نَفسُ رِفقًا ومَهْلًا ... فأنتِ ظعْنِي ورَحْلِي

طرْحْتُ كلَّ رِحالِي ... إلاّك مازِلْتِ حِملِي

تعلِّلِي بِسُكُوتٍ ... وعلَّليني بجَهلِي

فاصمِتْ وسِرْ في السِّكونِ ... على طَريق الجُنونِ

لعلّهُ بعدَ حينٍ ... يَبدُو لنا وَجهُ ربّي [1]

إذن فما ذلك المكان الذي يبدو للشاعر فيه وجه ربّه؟ إنّه- ولا شكّ- ذلك النور الذي تُشعّ به نار إرم، تلك النار التي اتقدت في روح الشاعر، فصهرت ما فيها من أوهام الحيرة والشكّ، فهي سبيل الخلاص والمعرفة، فيقول:

تِلكَ نَارُ الخُلودْ

ضَلَّ عَنها الأَنامْ ... واستَحبُوا الظَّلامْ [2]

والسؤال الذي يُطرح هنا ما سبب اختيار الشاعر للنار رمزًا لشعلة المعرفة؟ ويذكّر هذا السؤال بقول لديمقراطيس (( إنّ الكون من عناصر أربعة: التراب والماء عنصران وضيعان، والهواء والنار عنصران شريفان ) ) [3] .

(1) المصدر نفسه، ص: 194- 195.

(2) المصدر نفسه، ص: 195.

(3) عساف، ساسين، الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس، بيروت، ط1، 1988، ص22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت