فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 255

فللنار فضل على التراب، لأنّ الجسد مصيره إلى تراب أمّا الروح فتبقى حرّة كما هي حال النار توحي بالحيوية و (( تعطي الانطباع بالقوِّة والطاقة والرشاقة والإشراق... وحين نستخدم النار رمزًا نصف التجربة الداخليّة المتميّزة بالعناصر نفسها التي نلاحظها في تجربة النار الحسية ) ) [1] لهذا وصف نسيب عريضة نار إرم بأنها نار الخلود لأنّها شعلة الروح التي تمنحه قوّة وحيويّة ونشاطًا وإشراقًا يخلّصه من القلق والحيرة ويلازمه في حياته إلى أن تنطفئ جذوة هذه الروح في صدره ويصير ترابًا، يقول:

إِيهِ ضَوئِي البَعيدْ ... لُحْ ولُحْ ما تُريدْ

لَيسَ طَرفِي يَحيدْ ... عَنكَ حتْى يَعُودْ

لتُرابٍ ودُود [2]

وقد دفعت الحيرة والشك أنيس المقدسي إلى الاندياح عميقًا في أغوار نفسه يجلو الصدأ المتراكم عن ذيّاك النور الذي حجبته غشاوة الحياة الماديّة، فألقت به في دياجير الوهم والشك والقلق.

ينظر الشاعر في الكون نظرة الباحث القلق المضطرب لعلّه يهتدي إلى شيء من نور الحقيقة فيكرر المطلع اللاهج بنبرة الاستجداء والبحث، فيقول:

أعيريني الضّياءَ مِنْ النّجُومِ ... مُكوَّنَةَ العَوالِمِ مِنْ سَديمِ [3]

ويقوده التساؤل إلى الحيرة التي ساقت عريضة قبله للارتحال، ولكن ثمّة أسئلة تطرح نفسها عن أسرار الكون وما فيه من خلائق وموجودات فيقول:

مَنِ الإِنسانُ ما هَذي البَرايَا ... ومَا في الكَونِ مِنْ سِرِّ بَهيمِ

ومَاذا في السَّماءِ وفي الدَّرارِي ... فهلْ فِيهنَّ مِنْ عَقلٍ عَليمِ [4]

ويستعين الشاعر بعقله وقلبه للاهتداء إلى حقيقة الحياة فلا يسعفانه فيما يروم فيرتدي التشاؤم وشاحًا يغلّف رؤيته لهذا الوجود، فيقول:

(1) فروم، أريك، اللغة المنسية، تر: محمود الهاشمي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 1991، ط1، ص: 42.

(2) المصدر نفسه، ص: 197.

(3) المقدسي، أنيس، المعري يبصر، مجلة المورد الصافي، ص: 335.

(4) المصدر نفسه، ص:339.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت