فهرس الكتاب
وكَمْ بيني وبينَ الحقِّ سُترٌ ... تَكَشّفُ عن ملايين الستورِ
سأحيا ما حَييتُ ولَيس نورٌ ... لعينِ العقلِ في العُمرِ القصير
ومَا للقَلبِ من أملٍ فيرجو ... ولا فجرٌ لذا اللّيل العَميمِ [1]
وفي هذه اللحظات من الضياع يجد الشاعر أنّه لا مناصّ من الرحيل عميقًا في أغوار النفس ليلتقي صديقًا قديمًا كانت الأوهام والشكوك قد نهشت قلبه، وخلّدت معاناته من خلال فلسفة رسمت ملامح حياته حتّى اشتهر بها إنّه رهين المحبسين وفيلسوف المعرة أبو العلاء المعرّي. ولكنّه يلوح للشاعر أطلال شبح عرض لعابري طريق البحث والخلاص مبديًا أسفه عمّا أمضاه من عمره في وهم وسراب وشكوك لذا نذر نفسه هاديًا يرشد كلّ من ضلّ السبيل.
عندها يتابع الشاعر سيره إلى حيث النور يتلألأ في الأعالي وينجلي ظلام الوهم والشكّ الذي أخرج الشاعر إلى دنيا الخيال، فيقول:
فَيا نُورًا تَلألأ في الأَعَالِي ... بَعيدًا عن يَقينِ ذَوي اليّقينِ
إليكَ أتيْتُ في ظُلُماتِ نَفسِي ... لِتَهدِينِي إلى الحَقِّ المُبينِ
لَعلّي بالِغٌ بكَ في حياتي ... مَقامًا ليسَ يُبلَغُ بالعُلومِ [2]
إذن فقد كانت الحيرة والقلق دوافع مشتركة دفعت ببعض شعراء الرحلات الخياليّة إلى الرحيل بعيدًا عن واقعهم في محاولة البحث عن الخلاص ممّا أحاط بهم من واقع متردّ وهموم حملتها النفوس، وقد تمايزت الحلول، فنسيب عريضة وجد الخلاص في المعرفة والكشف الروحي، في حين وجدها أنيس المقدسي في تطهير النفس واستخلاص جوهرها السامي المتمثّل في الحبّ سبيلًا للسعادة البشرية المنشودة.
* الخوف والرهبة:
(1) المصدر نفسه، ص:330.
(2) المصدر نفسه، ص: 335.