فهرس الكتاب
إذًا فالقصيدة (( تجسّم لنا شعور الرغبة في الحياة والخوف من المجهول وهو شعور قديم حاول الإنسان منذ القديم أن يعبّر عنه فوضع من أجل ذلك الأساطير المختلفة ) ) [1] وهذا ما عبّر عنه فرويد باسم غريزة الجنس في مواجهة الموت، ولهذا خرج الهمشري مرتحلًا على جناح الخيال ليصنع لنفسه عالمًا خاصًّا بالموت يطهّر من خلاله نفسه ويتجاوز بوساطته محنته ومعاناته ومخاوفه. وقد تفنّن الشاعر في رسم صور كثيرة للموت تمثّلت مرّة في سفن الموت التي تحمل بقايا الأرواح إلى الشطّ وصورة قيثار الموت وقبر الليالي وبحر الوقت ليصل بهذه الصور إلى ذروة المعاناة، فيصيح بلهفة المفجوع:
رَبِّ أينَ المَفرُّ منها، وهَذا ... شَبَحُ المَوتِ قَدْ أطَالَ حِرانَهْ
هِي هذِي السَّفينُ تمضِي عِجَالًا ... مُسرعَاتٍ تَجري عَلى التّيَّارِ
تتلاشى في بعْضِها ثُمَّ تَحيَا ... لتُعيدَ التّمثيلَ في الأَعمَارِ
وَا لِهذا الفَناءِ!.. وَالهِواهُ ... وَا لِهذا القَضاءِ والأَقدارِ [2]
لقد مثّل الهمشري في رحلته الأسطوريّة تلك نمطًا مكرّرًا للإنسان الذي دفعه لا وعيه الجمعي في هذه الرحلة ليجدّد فعل أسلافه الأسطوريين أمثال أوزوريس ابن الشمس وجلجامش وعشتار وإنانا وأوديسيوس وإينياس في البحث عن وسيلة لتطهير النفس من مخاوف الموت ورهبته.
* القهر الاجتماعي:
لعلّ عقدة أخرى لا تقلّ عن عقدة الموت هي الشعور بالقهر الاجتماعي الذي يمثّله قول طرفة بن العبد في معلقته:
وَظُلمُ ذَوي القُربى أشدُّ مَضاضةً ... على المرء من وَقع الحُسام المُهنَّدِ [3]
(1) إسماعيل، عز الدين، الشعر العربي المعاصر، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1967، ص: 237.
(2) المصدر نفسه، ص: 139.
(3) التبريزي، الخطيب، شرح القصائد العشر، تقديم عبد السلام الحوفي، دار الكتب العلمية، ط1، 1987،
ص: 115.