فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 255

ومحمد الفراتي شاعر عانى كثيرًا في حياته من انتقاص الناس لقدره ومكانته، ولا سيما في بلده، فلم يحظ بكبير الاهتمام من الأوساط الأدبيّة، والاجتماعيّة الأمر الذي دفعه لاعتزال الناس قرابة ربع قرن، وقد كتب الفراتي (( الكوميديا السماوية ) )في هذه الفترة، وربّما أراد منها أن يعوّض نفسه عمّا هضم الناس من حقّها، وأراد أن يبرز قدرته في قرض الشعر ومجاراة الأغراض الجديدة والمعاني المستحدثة، وقد تجلّى هذا الإحساس في قصيدته (( في حانة إبليس ) )وفي قصيدته (( غرور الشباب ) ).

إنّ ما يسيطر على حسّ الفراتي في قصيدته (( في حانة إبليس ) )هو محاولته بشكل خفر تارة، وبصورة واضحة تارة أخرى، إثبات علو كعبه في الشعر لا سيما أنه قد حاز صولجان الشعر من شيخ شياطين الشعر إبليس، فيقول:

أتدرِي فِيمَ جِئنا بِـ ... ـكَ في ذَا اللّيلِ مِن أهلِكْ

فعندِي مِنحةٌ مَخبو ... ءَةٌ في الغَيبِ مِن أجلِكْ

فَذا الطّاووُسُ قَد يُعطى ... لمزهُوّين بالفَنِّ

فَدونَكَ صَولجَانُ الشّعـ ... ـرِ خُذْهُ وِهبةً مِنّي [1]

وتدور قصيدة (( غرور الشباب ) )حول الغاية ذاتها، فمحاولة إثبات الجدارة على نظم الجميل من الشعر والتفوّق على الأقران لم تفارق القصيدة منذ أن برز للشاعر هاتفه المتخيّل بقوله:

وإذَا هَاتفٌ ورائِي يُنادِي ... ويْكَ دَعْنَا من هَذِهِ التُّرّهاتِ

لم تزَلْ من طِرازِ شِعرِكَ هذا ... في نُزوعٍ إلى القَديمِ العَاتِي [2]

لكنّ الشاعر يطرح على ذلك الهاتف من جديد شعره الجميل، لا سيما أنّه قد جدّد في رحلته الخياليّة هذه شبابه وروحه، صورًا خلابة ينتزع بها إعجاب الهاتف فيصفه الأخير بشاعر الخلد والروض الباسم، وبلبل الشعر في حدائق الفكرة. غير أنّ حسّ القهر يطارد الشاعر فلا يتخلّص منه لأنّه يستيقظ على نهاية الحلم وكأنّ شيئًا لم يتغيّر في طباع الناس التي لا تعجب إلاّ بالسخيف من الفنّ، فيقول:

(1) الفراتي، محمد، النفحات، ص: 278.

(2) المصدر نفسه، ص: 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت