فهرس الكتاب
إذًا فالعقّاد سئم الحياة وواقع الإنسان فأراد له التغيير ولكنّه لم يستطع أن يواجه الواقع مباشرة فاتخذ من الشيطان وسيلة للتعبير عن آرائه، فيقول:
سَخرَ الشَّيطانُ مِن قِسمته ... ومن الأرضِ وما فَوقَ السَّماءْ
ومَضى يَهجِسُ في مِحنتِهِ ... (( ألِهذا تُستذَلُّ الكِبريَاءْ ) ) [1]
كما يظهر النزق الثوري الذي يطبع نفسيّة العقّاد حين يجعل الشيطان يأنف من إغواء البشر لأنّه في عصر ما عاد يميّز فيه الخير من الشرّ فيقول:
أنِفَ الشَّيطانُ من فِتنتِهِ ... أُمَمًا يأنَفُ من إهلاكِها
ورَأى الفَاجرَ من زُمرَتِهِ ... كعفيفِ الذّيل من نُسّاكِها [2]
ولا يبارح هذا النزق روح الشيطان الذي أنزلته الرحمة الإلهيّة مكانًا عند مصبّ السلسبيل في جنّة النعيم، لأنَ النزق طبع وجبلّة فيه، وفي اعتراض على قدر الله وفي سخرية يقف الشيطان متحدّيًا ربّه، فيقول:
هكذَا مُلكُكَ يَاربَّ القَضاءْ ... دَوْلَةً تَحمي على الطَّرفِ النَّظرْ
حَظٌ مَن يَدنُو من السّترِ الشّقاءْ ... وسَعيدٌ مَن لَها عَمّا استَتَرْ
فَاغْنِ بالرَّاضِينَ عن أقدارِهَا ... إنّهم نِعمَ عِتادُ المَالِكينْ
واجعلِ الفِردَوسَ من أقطَارِهَا ... حينَ يَرضُونَ ومَا هُم ساخِطينْ [3]
وتقود روح الثورة الشيطان إلى رفض الخلود والجنّة، ويؤثر عليهما أن يكون حجرًا صلدًا كي لا يخضع أو يطيع، يقول:
أَنا لا تَخطُرُ لي في أَمَلي ... لا تَكُنْ تَوبَةُ نَفْسي أَمَلكْ
وادْعُ في خَلقِكَ يَسجُدْ مَن رَجا ... خُلدَكَ الأَعلى فَما نَحنُ سُجودْ
لنكونَنَّ إِذا صَحَّ الحجَا ... حَجَرًا صَلْدًا ولا هَذا الوُجودْ [4]
وقد دفعت روح الثورة الشاعر محمد حسن فقّي ليتحدّى قدره بكلّ ما لديه من عنجهيّة وكبرياء وتحدٍّ، حتّى إنّه لا يأبه بجحيم ولا تغني عن نفسه جنّة وحور عين، ليقول في مطلع قصيدته:
(1) العقاد، عباس محمود، الديوان، ص: 276.
(2) المصدر نفسه، ص: 277.
(3) المصدر نفسه، ص: 283.
(4) المصدر نفسه، ص: 286.