فهرس الكتاب
هذه أبرز الدوافع الوجدانية التي دفعت بهؤلاء الشعراء للرحيل عن واقعهم الإنساني، متجاوزين ما فيه ومستخفّين بقيوده الماديّة ومشبّثين بعالم الروح إلى حيث تتحقّق طموحاتهم وأحلامهم، وقد صدر بعض هؤلاء الشعراء في تجربته عن رؤية ووعي بأدوات هذه الرؤية وبعضهم الآخر عبّر عنه لا شعوره فباح بمكنون النفس وشواغل الفكر، فكان أن طغت على سطح الوعي أحلام الحريّة، واضطرابات القلق والحيرة والتمزّق التي تكدّر صفو الحياة، وقد دفع القهر والخوف ببعضهم إلى اقتحام لجّة الموت وبثّ فيه روح الأمل لمواجهة هذا الإحساس، وقد جعل بعضهم الرحلة إشباعًا نفسيًّا يعوّض فيه نفسه عمّا تلاقيه من اضطهاد وقهر.
وهكذا غدت الرحلة الخياليّة وسيلة هرب للشاعر من واقعه الإنساني المضني وملاذًا يعوّض ما فاته في دنيا الناس يستطيع من خلاله البوح بما لا يمكنه البوح به في الواقع وتحقيق ما لا يمكن تحقيقه أيضًا.
ثانيًا- الدوافع الاجتماعيّة والسياسيّة
* تصوير الواقع الاجتماعي المتردّي:
لم يكن شعراء الرحلة الخياليّة بمنأى عن قضايا عصرهم وواقعهم، بل عاشوا خضمّها فدفعتهم ظروفهم السياسيّة والاجتماعيّة إلى التحليق بعيدًا، يرومون النجوم بيارق أويتخذون ظهور الشياطين مطايا وأجنحة الخيال مراكب، ليدلي كلّ واحدٍ بدلوه وأفكاره بعيدًا عن عين الرقيب الاجتماعي التي تطاله، وتحول بينه وبين ما يتطلّع إلى تحقيقه.
لقد دفعت الحياة الماديّة في العصر الحديث شفيقًا لكي يعكس في مطوّلة (( عبقر ) )صورة مجتمعه الذي يعيش فيه، ويجلو رموزه من خلال الأساطير. فما صورة عبقر المشوّهة إلاّ وصف للمجتمع الإنساني الذي تمثله النفس البشرية يقول عنها:
قُمْ فَتَرى كَيفَ شَياطِينُها ... تُطلُّ في عينيكَ مِن بَابِها
وكَيفَ مِن فيكَ ثَعابينُها ... تَنسلُّ مِن فَوهَةِ سِردَابِها [1]
(1) معلوف، شفيق، عبقر، ص: 155- 156.