فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 255

وقد أخذت الصورة الساخرة في رسم ملامح عبقر تعبر عن واقع الإنسان وما يعيشه من تناقضات يقول عنها:

فَيا لأَبراجٍ ضِخام البِنَا ... مِلءَ الثَّرى مِلءَ السَّماواتِ

يَدرُجُ كالنَّملِ عَفارِيتُها ... مِن قَلبِ مَهواةٍ لِمَهواةِ

أَقزامُ جِنِّ في سُفوحِ الرُّبا ... جَيَّشَهُمْ طَاغيةٌ عَاتِ

إِنْ أَزمَعوا الزَّحفَ تَرَاهمْ عَلوا ... أغْربَ أَصنافِ المطيّاتِ

فَمِن يَرابعٍ ومِن أَنعُمٍ ... إلى دُيُوكٍ وعِظَاياتِ

مَراكبٌ للجِنِّ يَرمي بِها ... فُرسَانُها صَدرَ المَفازاتِ

مِن كلِّ قِزْمٍ لا يَمسُّ الثَّرى ... بِرجلِهِ الصُّغرَى المُدلاّةِ

نِشَابُهُ القُنفُذ مِزراقُهُ ... وتِرسُهُ قَحفُ السُّلحفاةِ [1]

ويعدّ أبناء إبليس في عبقر صورة مصغّرة لمفاسد المجتمع المادي الذي يعيش الشاعر واقعه، إذ هو واقع قائم على الحروب والقتل والتدمير والكذب والشهوة وحبّ المال والمفاسد القائمة على النفاق والمراءاة والتلوّن وغيرها من النقائص والمثالب التي دفعت الشاعر إلى كتابة (( عبقر ) )وكلّ نقيصة أو مثلبة يمثّلها اسم لشيطان من أبناء إبليس وهم: ثبر، وداسم، وزلنبور، ومسوط وأعور.

وربّما دفع تصوير الواقع الاجتماعي الفراتي في قصيدته (( في حانة إبليس ) )إلى رحلته الخياليّة بعيدًا عن مجتمعه ليصوّر هذا المجتمع بكلّ ما فيه من قيم وأفكار وعادات، فهو مجتمع بسيط لا يزال يعيش أحاديث الخيال والجنّ والسعلاة التي غالبًا ما ترويها الجدّات حول المدفأة في أيام الشتاء الباردة. إضافة إلى عرضه لبعض رواسب العادات الجاهليّة مثل البكاء على الميّت وإقامة المناحات، فيقول:

غَدًا يفقِدُني أهلِي ... وتَبكِني غَدًا أُمّي

وينعاني أَبِي المَحزو ... نُ في الصُّبحِ إلى عَمّي

غَدًا تُبنَى إِذا مَا غِبْـ ... ـتُ في الدَّارِ مَناحاتٌ

غَدًا تعلُو بِذاكَ البيـ ... ـتِ للنّسوَانِ صَيحاتٌ [2]

(1) المصدر نفسه، ص:154.

(2) الفراتي، محمد، النفحات، ص: 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت