فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 255

تدكُّ رُخَامَ التَّاريخِ [1]

ولم يكن إبراهيم الهوني ليخرج في رحلته الخيالية إلا لضيقه بحال أهل الأرض، فقد غدا المجتمع الذي يعيش فيه خليطًا عجيبًا من النقائص والمفاسد ولا حريّة للشاعر في النصح، وحتّى إن أتيح له فلقد سئم، لقوله:

لَقَدْ مَلَّ مَن يُبدي النّصائحَ جاهِدًا ... ومَلَّ الذي يَنهى ومَلَّ الذي يُملي

وقَدْ غَيرّوا مَا كُنتَ فيهِمْ عَرفتَهُ ... مِن الجودِ والإِخلاصِ والصِّدقِ والبّذلِ

ومَا جِئتُكمْ حَتّى كَرِهْت مَعَيشتي ... وشَاهدت كَيدَ الخلِّ في السّرِّ للخلِّ [2]

وهكذا كان تصوير الواقع المتخلّف وكشف زيفه ومفاسده الشغل الشاغل لشعراء الرحلات الخياليّة الذين أرادوا الهروب بعيدًا عنه ولكن ما عساهم يفعلون وهم أبناؤه سوى أن يكشفوا عنه أقنعته عسى أن يجدوا الرقية التي تساعدهم على تخليصه ممّا هو فيه من مفاسد، وقد تباينت هذه الصور فجاءت صوره ساخرة هازئة عند شفيق معلوف تنّم عن حدّة المرارة والأسى في حين كانت أكثر واقعية عند الفراتي ولكن الفقّي كان أكثر تفاؤلًا في تصويره اللاواعي للمجتمع في حين أخذت الصورة بعدًا مأسويًا لدى القلعجي الذي حمّل المجتمع وزر نهاية العالم وسوقه إلى مصير مظلم. وكان الهوني أشد كراهية ومقتًا من الشعراء السابقين لهذا الواقع الذي أضناه فخرج يلتمس في عالم الخيال الراحة والهناء بعيدًا عنه.

* إدانة الاستعمار:

ولم ينس فوزي معلوف وهو يحلّق في أجواز الفضاء أنَّهُ طريد الاستعمار الذي لا يعني له إلاّ الشّر الذي جوّع شعبه ودفع به للرحيل إلى المهجر ليعاني هناك المشقّة والغربة والبؤس، وهو إذ يوجّه الإدانة للاستعمار يختار صورة إيحائية جعلها المستعمر وسيلة قتل وتدمير حتّى لا يطابق وضعها إلاّ كلمة (( شيطان ) )فيقول على لسان الطير التي مثلّت المعادل الموضوعي للشاعر:

(1) القلعجي، عبد الفتاح، ملحمة القيامة، ص: 15.

(2) الهوني، إبراهيم، الديوان، ص: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت