فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 255

وقد دفعت الحياة السياسية الشاعر الزهاوي للرحيل بعيدًا عن واقعه السياسي الذي يقسّم المجتمع إلى فئتين: حاكمة متسلطة غنيّة تتجمّع في يديها الأموال والخيرات، وأخرى فقيرة بائسة ليس لها من حظّ إلاّ الشقاء والألم والحسرة، وقد دفع بهاتين الفئتين إلى التصادم ليصل إلى دافعه الذي أخرجه عن دنيا الواقع إلى عالم الخيال لإضرام ثورة البؤساء، ويبرز الدافع بوضوح في الشعار الذي ردّده المعرّي مرارًا أثناء قيام الثورة. فيقول:

المعرّي: غَصَبُوا حقّكُمْ فَيا قَوْم ثُوُروُا ... إِنَّ غَصبَ الحُقوقِ ظُلمٌ كَبيرُ

الجمهور: غَصَبوُا حقَّنَا ولمْ يُنصِفُونَا ... إِنَّما نَحْنُ للحقُوقِ نَثُورُ

المعرّي: لَكُمُ الأَكواخُ المشيدةُ بالنّا ... رِ وللبُلهِ في الجنانِ القُصورُ

الجمهور: غصَبُوا حقَّنا ولم ينصِفُونا ... إنَّما نحنُ للحقُوقِ نَثُورُ

المعرّي: إنّ خَضعتُمْ فما لكُمْ مِن نصيب ... في طِوال الدُّهورِ إلاّ السَّعيرُ [1]

وهكذا كانت الدوافع الاجتماعية سببًا غير مباشر لشعراء الرحلات الخياليّة في رحيلهم بعيدًا عن واقعهم الاجتماعي ولكنّهم في خروجهم لم ينسوا أنّهم أبناؤه الذين يتوقون إلى صلاحه، وقد رسموا واقعه المتخلف مندّدين بمفاسده الخلقية كاشفين ما فيه من زيف، وربّما حمّل بعضهم الواقع الاجتماعي وزر الحياة البشرية وخرابها ووصولها إلى حتفها المؤكّد وصولًا إلى ساعة القيامة كما خرج بعض الشعراء للرحيل عن عالمهم ليشيروا بأصابع الاتهام إلى الاستعمار الذي أفسد البلاد والعباد فنسبوا إليه كلّ الشرور، ولقد امتازت هذه الدوافع بطابع رومانتيكي لم يستطع مواجهة السلبيات بروح واقعية ثوريّة فعّالة، فلجأ إلى الرحلة للتعويض عن عجزه في مواجهة الواقع.

ثالثًا- الدوافع الفنيّة والفكرية

* التجديد:

(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديون، ص:736.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت