فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 255

وكذلك يحاول الشاعر أن يثبت شاعريته وعزمه على التجديد في الشعر في ردّه على الهاتف الذي كان يطارده في قوله:

لَمْ تَزلْ مِن طِرازِ شِعركَ هَذا ... في نُزوعٍ إلى القَديمِ العَاتِي [1]

وليس الهاتف الخيالي في النهاية إلاّ تلك الرغبة الخفيّة بالتجديد التي حاصرت الفراتي في عزلته الأدبيّة والاجتماعية، فيحاول الشاعر إرضاء هذه الرغبة من نبع شعره الفيّاض إلى أن يحوز رضاها واعترافها له بأنّه شاعر الخلود، فيقول:

وإِذا الهَاتِفُ الأَديبُ يُنادي ... إِيهِ مرحَىَ لهذِه الآياتِ

أَنتَ في الحَقِّ شَاعِرٌ عَبْقري ... لا تُجارَى وشَاعِرُ المُعْجِزاتِ

شِاعِرُ الحُبِّ والجَمالِ لعَمرِي ... شَاعِرُ الفّنِّ شَاعِرُ النّفَثَاتِ

شاعِرٌ للخُلودِ أَنتَ وللخُلْـ ... ـدِ أَغَانِي الفِتيانِ والفَتَياتِ [2]

إذن فغاية الشاعر الرغبة في التجديد وإبراز علو كعبه في فنّ الشعر والقريض، ولعلّ الرحلة الخياليّة كظاهرة أدبيّة هي شكل من أشكال التجديد في الشعر العربي المعاصر تحاول إلباسه ثوبًا جديدًا يرفع شأنه بين الفنون الإنسانيّة.

* محاكاة القدماء وإحياء التراث:

لم تخل بعض الرحلات الخياليّة من دوافع التقليدية والسير على نهج الأدباء القدماء سواء أكان الشاعر صرّح بهذا الدافع أم تجلّى بخفر في رحلته.

ولا تخلو ملحمة القيامة من هذا الدافع الذي يمكن أن يتجلّى خفرًا في رغبة عبد الفتّاح القلعجي في نظم ملحمة شعريّة على نمط رسالة الغفران ليعرض فيها موقفه من الحياة والموت والحقّ والباطل والفساد والفضيلة والخير والشرّ، ولكن من وجهة دينيّة قوامها الرؤية الإسلاميّة الصحيحة.

ويعدّ بعث التراث العربي القديم طموحًا كبيرًا سعى إليه كثير من الشعراء في مطلع هذا القرن.

(1) المصدر نفسه، ص: 304.

(2) المصدر نفسه، ص: 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت