فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 255

وقد أغنت الأساطير الشرقية القديمة الرحلات الخياليّة، سواء أتأثّر بها الشعراء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، فرحلة الهمشري (( على شاطئ الأعراف ) )تأثّرت في روحها وسيرورتها الفنية بأسطورة أوزوريس في رحلة الصعود، فالأسطورة تروي حركة (رع) إله الشمس في النهار، وتبدأ رحلته عندما يطرق باب الحياة خارجًا من جوف أمّه (نوت) ليصعد بكلّ عظمة وأبهّة وفخار إلى صفحة السماء ليقله زورق خفيف وينازل الشرّ ويطرد الظلمات وفي هذا كلّه تقف إيزيس إلى جانبه، وفي السماء يكون أوزوريس الذي يحيي الليل ويمخر دياجيه بزورقه السماوي حتّى منتصف الليل بعد أن تهاجمه الشياطين ويزداد انزعاجًا إلى أن يأخذ في سيره الحثيث، فإذا أسفر الصبح عاد بانتصاره وجلاله في صورة رع [1] . وإذا كانت إيزيس قد وقفت في ولاء إلى جانب أوزوريس فإنّ ربّة الشعر وقفت بكلّ إخلاص وحبّ مع الشاعر في رحلته التي صاغها وهو يسبح في فلك الأسطورة القديمة بعد أن حمّلها روح التجربة الشعرية التي حملت نوازعه الاجتماعية والنفسية ومثّلته مطوّلة (( على شاطئ الأعراف ) ).

ويبقى الانزياح الدلالي في بنية الأسطورة هو الذي يمنح تجربة الهمشري خصوصيتها التي تميّزها عن الأسطورة الأم. فإذا كانت الأسطورة تقضي صراع أوزوريس مع الشياطين وسقوطه في هاوية الظلام ليعود مرّة أخرى في صورة رع إله الشمس فإنّ (( على شاطئ الأعراف ) )تخلق الحياة وتجدّد الروح الإنسانية القادرة على مواجهة الشرّ والقهر والاستمرار في النضال ضد الاستعمار حتّى تحقيق الحريّة والاستقلال، ولتنتصر في النهاية غريزة الحبّ والحياة على حسّ الموت والفناء، فيقول:

أَيُّها الحبُّ أنتَ للموتِ موتٌ ... ذو غِلابٍ على البِلى مُسْتخفُّ

أنتَ صُنوُ الحياةِ وارِثةِ المو ... تِ ونورٌ على الإلهِ يرفُّ

(1) ينظر: هلال، محمد غنيمي، الأدب المقارن، ص: 376.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت