فهرس الكتاب
يجوز لنا ان نتساءل عن نشاط المعدة أهو صادق او كاذب فكذلك بالنسبة الى النشاط الفكري.
ونجد ايضًا بوضوح ان الفكرة في راي المدرسة السلوكية مرتبطة بمنبهاتها
لا بدليلها, وبذلك تفقد الثقة بكل معرفة بشرية لأن من الجائز ان تتبدل
وتعقبها فكرة مناقضة اذا اختلفت المنبهات والشروط الخارجية ويعود من عبث القول مناقشة المفكر في فكرته وأدلتها وانما يجب الفحص عن المنبهات المادية
لتلك الفكرة وازالتها. فاذا كانت الفكرة قد نشأت مثلا من حرارة الموقد في الغرفة التي يفكر وعملية الهضم كان السبيل الوحيد للقضاء على الفكرة
تغيير جو الغرفة وايقاف عمليات الهضم مثلا, وهكذا تصبح المعرفة البشرية
خواء وخلوا من القيمة الموضوعية.
ومذهب التحليل النفسي عند فرويد يسجل نفس النتائج التي انتهت
اليها السلوكية فيما يتصل بنظرية المعرفة, فهو وان كان لا ينكر العقل ولكنه يقسمه لفئتين احداهما العناصر الشعورية وهي مجموعة الافكار والعواطف
والرغبات التي نحس بها في نفوسنا, والآخر العناصر اللاشعورية في العقل أي شهواتنا وغرائزنا المختزنة وراء شعورنا وهي قوى عقلية عميقة الغور في
اعماقنا ولا يمكن لنا السيطرة على نشاطها او التحكم في تكوينها وتطورها,
وكل العناصر الشعورية تعتمد على هذه العناصر الخفية التي لا نشعر بها,
وليست اعمال الشخص الشعورية الا انعكاسا محرفا لتلك الشهوات والدوافع المختزنة في اللاشعور, فالشعور اذن اتى عن طريق اللاشعور حتى يمكن القول
لدى اصحاب التحليل النفسي بان اللاشعور هو الذي يحدد محتويات الشعور وبالتالي يتحكم في كل افكار الانسان وسلوكه. وعلى هذا الاساس تصبح
شهواتنا الغريزية هي الاساس الحقيقي لما نعتقد بصحته, وليست عمليات
الاستدلال التي تهدينا الى النتائج المفروضة علينا سلفا من قبل شهواتنا
وغرائزنا الا اعلاء لتلك الغرائز وتساميا بها الى منطقة الشعور التي تشكل
القسم الاعلى من العقل, بينما تشكل العناصر اللاشعورية والغرائز والشهوات المختزنة الطابق الارضي او القسم الاسفل الاساسي.
وبسهولة نستطيع ان ندرك اثر هذا المذهب التحليلي على نظرية المعرفة.
فان الفكر في ضوئه ليس اداة لتصوير الواقع والحدس بالحقيقة وانما وظيفته التعبير عن متطلبات اللاشعور, والانتهاء حتما الى النتائج التي تفرضها شهواتنا وغرائزنا المختزنة في اعماقنا, وما دام العقل آلة طيعة في خدمة غرائزنا والتعبير