فهرس الكتاب
نفوسنا من إدراك؟! بل يصبح من الجائز ان تقول المثالية في ظواهر الادراك
والحس ما قاله الديالكتيك عن الطبيعة تمامًا, وتزعم ان هذه الظواهر في
حدوثها وتعاقبها محكومة لقانون نقض النقض, الذي يضع رصيد التغير
والتطور في المحتوى الداخلي.
وبهذا نعرف ان الديالكتيك لا يحجبنا عن سبب خارج الطبيعة فحسب,
بل يحجبنا بالتالي عن هذه الطبيعة بالذات, وعن كل شيء خارج دنيا
الشعور والادراك (1) .
ولنعرض شيئا من النصوص الماركسية التي حاولت معالجة المشكلة بما لا يتفق مع طبيعتها وطابعها الفلسفي:
أ ـ قال (روجيه غارودي) :
[ تعلمنا العلوم ان الانسان ظهر على وجه الارض في
زمن متأخر جدًا, وكذلك الفكر معه. ولكي نؤكد ان الفكر
كان موجودًا, متقدمًا على الارض, على المادة, يجب اذن التأكد
بأن هذا الفكر لم يكن فكر الانسان. ان المثالية في جميع
أشكالها لا تستطيع ان تنجو من اللاهوت] (2) .
[لقد وجدت الارض حتى قبل كل كائن ذي حساسية,
قبل كل كائن حي. وما كان لأية مادة عضوية ان توجد على
الكرة الارضية في اول مراحل وجودها. فالمادة غير العضوية
سبقت الحياة اذن وكان على الحياة ان تنمو وتتطور خلال
آلاف آلاف السنين قبل ان يظهر الانسان ومعه المعرفة.
العلوم تقودنا اذن الى التأكد بأن العالم قد وجد في حالات لم
(1) ـ وقد جاء في كلام انجلز السابق التأكيد على ناحية القيمة الموضوعية لخلق ظاهرة وانشائها, وان في ذلك الرد الحاسم على النزعات المثالية. ولا اظن هذا التاكيد حين يصدر من المدرسة الماركسية ينطوي على معنى فلسفي خاص, وان أمكن للباحث الفلسفي ان يصوغ من ذلك دليلا خاصا على إثبات ان الواقع الموضوعي يرتكز على العلم الحضوري, نظرًا الى ان الفاعل يعلم بآثاره, وما يخلق علما حضوريا, والعلم الحضوري بشيء هو نفس وجوده الموضوعي. فالانسان اذن يتصل بالواقع الموضوعي لما يعلمه علما حضوريا. فالمثالية اذا اسقطت من حساب المعرفة الموضوعية العلم الحصولي الذي لا نتصل فيه الا بافكارنا, كفى للواقعية العلم الحضوري ولكن هذا الدليل يقوم على فهم مغلوط للعلم الحضوري, فان اساس معرفتنا للاشياء انما هو العلم الحصولي. واما العلم الحضوري فهو لا يعني اكثر من حضور المعلوم الواقعي لدى العالم, ولذلك كان كل انسان يعلم بنفسه علما حضوريا, مع ان كثيرًا من الناس انكر وجود النفس. ولا تتسع حدودنا الخاصة في هذه الدراسة للافاضة في هذه الناحية.
(2) ـ ما هي المادة ص 32 .