فهرس الكتاب
فكل مشكلة موضوعية انما يمكن اعتبارها علمية, وحلها بأساليب العلم التجريبية, فيما اذا كان من المعترف به سلفًا صدق التجربة العلمية
وموضوعيتها. فمشكلة حجم القمر, او بعد الشمس عن الارض, او بنية
الذرة, او تركيب النبات, او عدد العناصر البسيطة, يمكن انتهاج الطرق
العلمية في دراستها وحلها. واما اذا طرحت نفس التجربة على بساط البحث,
وثار النقاش حول قيمتها الموضوعية, فلا موضع للاستدلال العلمي في هذا
المجال على صدق التجربة وقيمتها الموضوعية بالتجربة نفسها.
فواقعية الحس والتجربة اذن هي الاساس الذي يتوقف عليه كيان العلوم
جميعًا, ولا تتم دراسة او معالجة علمية الا بناء عليه, فيجب ان يعالج هذا
الاساس معالجة فلسفية خالصة قبل الأخذ بأي حقيقة علمية.
واذا درسنا المسألة دراسة فلسفية نجد ان الاحساس التجريبي لا يعدو
ان يكون لونا من ألوان التصور, فمجموعة التجارب مهما تنوعت انما تمون
الانسان بادراكات حسية متنوعة. وقد مر بنا التحدث عن الاحساسات في
دراستنا للمثالية, وقلنا انها ما دامت مجرد تصورات فلا يبرهن على الواقع الموضوعي ودحض المفهوم المثالي.
وانما يجب علينا ان ننطلق من المذهب العقلي لنشيد على أسسه المفهوم الواقعي للحس والتجربة, فنؤمن بوجود مبادئ تصديقية ضرورية في العقل,
وعلى ضوء تلك المبادئ نثبت موضوعية أحاسيسنا وتجاربنا.
ولنأخذ لذلك مثالًا مبدأ العلية, الذي هو من تلك المبادئ الضرورية.
فان هذا المبدأ يحكم بان لكل حادثة سببًا خارجًا عنه, وعلى أساسه نتأكد من وجود واقع موضوعي للاحساسات والمشاعر التي تحدث في نفوسنا, لأنها بحاجة
الى سبب تنبثق عنه, وهذا السبب هو الواقع الموضوعي.
وهكذا نستطيع ان نبرهن على موضوعية الحس والتجربة بمبدأ العلية.
فهل يمكن للماركسية ان تتخذ هذا الاسلوب؟ طبعًا لا, وذلك:
أولًا: لأنها لا تؤمن بمبادئ ضرورية عقلية, فليس مبدأ العلية في عرفها
الا مبدأ تجريبيًا تدلل به التجربة, فلا يصح ان يعتبر أساسًا لصد التجربة وموضوعيتها.
وثانيًا: ان الديالكتيك يفسر تطورات المادة وحوادثها بالتناقضات المحتواة
في داخلها. وليست الحوادث الطبيعية في تفسيره محتاجة الى سبب خارجي,
كما سندرس ذلك بكل تفصيل في المسألة الثانية. فاذا كان هذا التفسير الديالكتيكي كافيا لتبرير وجود الحوادث الطبيعية, فلماذا نذهب بعيدًا؟!
ولماذا نضطر الى افتراض سبب خارجي وواقع موضوعي لكل ما يثور في