فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 262

مذاهب من ألوان الشك والارتياب, وأكدوا على امكان المعرفة الحقيقية للعالم. وبذلك ظهرت نظرية المعرفة على أيديهم في إطار من اليقين الفلسفي, المرتكز

على اسس النظرية الحسية والمذهب التجريبي.

فماذا رصدوا لهذا المشروع الجبار والتصميم الفلسفي الضخم؟.

كان رصيدهم هو التجربة لتفنيد المثالية.

وكان رصيدهم هو الحركة لرفض النسبية.

?التجربة والمثالية:

قال انجلز عن المثالية:

[إن أقوى تفنيد لهذا الوهم الفلسفي, ولكل وهم

فلسفي آخر هو العمل والتجربة والصناعة بوجه خاص. فاذا

استطعنا ان نبرهن على صحة فهمنا لظاهرة طبيعية ما,

بخلقنا هذه الظاهرة بانفسنا, واحداثنا لها بواسطة توفر

شروطها نفسها, وفوق ذلك اذا استطعنا استخدامها في تحقيق

أغراضنا كان في ذلك القضاء المبرم على مفهوم الشيء في ذاته

العصي على الادراك الذي اتى به (كانت) ] (1) .

وقال ماركس:

[إن مسألة معرفة ما اذا كان بوسع الفكر الانساني ان

ينتهي الى حقيقة موضوعية ليس بمسألة نظرية, بل انها مسالة

عملية, ذلك انه ينبغي للانسان ان يقيم الدليل في مجال

الممارسة على حقيقة فكره] (2) .

وواضح من هذه النصوص ان الماركسية تحاول ان تبرهن على الواقع الموضوعي بالتجربة, وتحل المشكلة الاساسية الكبرى في الفلسفة ـ مشكلة

المثالية والواقعية ـ بالاساليب العلمية.

وهذا مظهر واحد من مظاهر عديدة وقع فيها الخلط بين الفلسفة

والعلوم, فإن كثيرًا من القضايا الفلسفية حاول بعض دراستها بالاساليب

العلمية, كما ان عدة من قضايا العلم درسها بعض المفكرين دراسة فلسفية.

فوقع الخطأ في هذه وتلك.

والمشكلة التي يتصارع حولها المثاليون والواقعيون هي من تلك المشاكل

التي لا يمكن اعتبار التجربة المرجع الاعلى فيها, ولا إعطاؤها الصفة العلمية,

لأن المسألة التي يرتكز عليها البحث فيها هي مسالة وجود واقع موضوعي

للحس التجريبي. فالمثالي يزعم ان الاشياء لا توجد الا في حسنا وإدراكاتنا

التجريبية, والواقع يعتقد بوجود واقع خارجي مستقل للحس والتجربة.

ومن البديهي ان هذه المسألة تضع الحس التجريبي بالذات موضع الامتحان والاختبار, فلا يمكن ان يبرهن على موضوعية التجربة والحس بالتجربة والحس نفسهما, ولا الرد على المثالية بها, مع انها هي موضع النقاش والبحث بين

الفريقين المثاليين والواقعيين.

(1) ـ لودفيغ فيورباخ ص54 .

(2) ـ لودفيغ فيورباخ ص112 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت