فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 262

وعرفنا أيضًا ان هذه المعرفة التصديقية مضمونة بمقدار ارتكازها على المبادئ الضرورية. والمسالة الجديدة هي مدى التطابق بين الصورة الذهنية ـ فيما اذا كانت دقيقة وصحيحة ـ والواقع الموضوعي الذي صدقنا بوجوده من ورائها.

والجواب على هذه المسألة, هو ان الصورة الذهنية التي نكونها عن واقع موضوعي معين فيها ناحيتان: فهي من ناحية صورة الشيء ووجوده الخاص

في ذهننا. ولا بد لاجل ذلك ان يكون فيها الشيء متمثلا فيها, والا لم تكن

صورة له (ولكنها من ناحية اخرى تختلف عن الواقع الموضوعي اختلافا

أساسيا. لأنها لا تملك الخصائص التي يتمتع بها الواقع الموضوعي لذلك

الشيء, ولا تتوفر فيها ما يوجد في ذلك الواقع من الوان الفعالية والنشاط. فالصورة الذهنية التي نكونها عن المادة او الشمس او الحرارة مهما كانت دقيقة ومفصلة لا يمكن ان تقوم بنفس الادوار الفعالة التي يقوم بها الواقع الموضوعي

لتلك الصورة الذهنية في الخارج.

وبذلك نستطيع ان نحدد الناحية الموضوعية للفكرة, والناحية الذاتية.

أي الناحية الماخوذة عن الواقع الموضوعي, والناحية التي ترجع الى التبلور الذهني الخاص. فالفكرة موضوعية باعتبار تمثل الشيء فيها لدى الذهن,

ولكن الشيء الذي يمثل لدى الذهن في تلك الصورة يفقد كل فعالية ونشاط

مما كان يتمتع به في المجال الخارجي, بسبب التصرف الذاتي, وهذا الفارق

بين الفكرة والواقع هو في اللغة الفلسفية الفارق بين الماهية والوجود, كما سندرس ذلك في المسألة الثانية من هذا الكتاب (1) .

?النسبية التطورية:

والآن, وقد طفنا على شتى المذاهب الفلسفية في نظرية المعرفة, نصل الى

دور الديالكتيك فيها. فقد حاول الماديون الديالكتيكيون إبعاد فلسفتهم عن

الشك والسفسطة, فرفضوا المثالية والنسبية الذاتية, وما انتهت اليه عدة

(1) ـ وهذه الناحية الذاتية التي تنطوي عليها الصور الذهنية في رأينا, تختلف عن الناحية الذاتية التي يقول بها (كانت) . والتي ينادي بها النسبيون الذاتيون. فليست الذاتية في رأينا باعتبار الجانب الصوري من العلم كما يزعم (كانت) ولا باعتبار كون الادراك حصيلة تفاعل مادي, والتفاعل يستدعي التصرف من الجانبين, بل هي على اساس التفرقة بين لوني الوجود: الذهني والخارجي. فالشيء الموجود في الصورة الذهنية هو الشيء الموجود في الخارج خلافا للنسبيين, ولكن لون وجوده في الصورة يختلف عن لون وجوده الخارجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت