ان ترى في هذين السببين مبررًا ومسوغًا منطقيًا للاعتداء على البلاد الآمنة, وانتهاك كرامتها والسيطرة على مقدراتها ومواردها الطبيعية الكبرى واستغلال ثرواتها لترويج البضائع الفائضة. فكل ذلك أمر معقول وجائز في عرف
المصالح الفردية التي يقوم على أساسها النظام الرأسمالي والاقتصاد الحر.
وينطلق من هنا عملاق المادة يغزو ويحارب, ويقيد ويكبل, ويستعمر ويستثمر, إرضاء للشهوات وإشباعًا للرغبات.
فانظر ماذا قاست الانسانية من ويلات هذا النظام, باعتباره ماديًا في
روحه وصياغته وأساليبه وأهدافه, وإن لم يكن مركزًا على فلسفة محددة تتفق
مع تلك الروح والصياغة, وتنسجم مع هذه الأساليب والأهداف كما المعنا إليه؟!!.
وقدر بنفسك نصيب المجتمع الذي يقوم على ركائز هذا النظام ومفاهيمه
من السعادة والاستقرار, هذا المجتمع الذي ينعدم فيه الايثار والثقة المتبادلة, والتراحم والتعاطف الحقيقي, وجميع الاتجاهات الروحية الخيرة, فيعيش الفرد
فيه وهو يشعر بأنه المسؤول عن نفسه وحده, وأنه في خطر من قبل كل
مصلحة من مصالح الآخرين التي قد تصطدم به. فكأنه يحيا في صراع دائم
ومغالبة مستمرة, لا سلاح له فيها إلا قواه الخاصة, ولا هدف له منها إلا
مصالحه الخاصة.
ثانيًا ـ الاشتراكية والشيوعية
في الاشتراكية مذاهب متعددة, وأشهرها المذهب الاشتراكي القائم على النظرية الماركسية والمادية الجدلية, التي هي عبارة عن فلسفة خاصة للحياة
وفهم مادي لها على طريقة ديالكتيكية. وقد طبق الماديون الديالكتيكيون هذه
المادية الديالكتيكية على التاريخ والاجتماع والاقتصاد, فصارت عقيدة فلسفية
في شان العالم, وطريقة لدرس التاريخ والاجتماع, ومذهبًا في الاقتصاد وخطة
في السياسة. وبعبارة أخرى: انها تصوغ الانسان كله في قالب خاص, من
حيث لون تفكيره ووجهة نظره إلى الحياة وطريقته العملية فيها. ولا ريب في
أن الفلسفة المادية, وكذلك الطريقة الديالكتيكية, ليستا من بدع المذهب
الماركسي وابتكاراته فقد كانت النزعة المادية تعيش منذ الآف السنين في الميدان الفلسفي, سافرة تارة ومتوارية اخرى وراء السفسطة والانكار والمطلق, كما أن الطريقة الديالكتيكية في التفكير عميقة الجذور ببعض خطوطها في التفكير
الانساني, وقد استكملت كل خطواتها على يد (هيجل) الفيلسوف المثالي
المعروف. وإنما جاء (كارل ماركس) إلى هذا المنطق وتلك الفلسفة فتبناهما,
وحاول تطبيقهما على جمع ميادين الحياة, فقام بتحقيقين: