فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 262

الاستدلال, ويعتبر الالهي هو المسؤول عن التدليل على مدعاه, لأن الالهي هو صاحب الموقف الايجابي, أي مدعي الثبوت, فيجب عليه ان يبرر موقفه

ويبرهن على وجود ما يدعيه.

ولكن الواقع ان كلا منهما مكلف بتقديم الادلة والمدارك لاتجاهه الخاص,

فكما ان الالهي يجب عليه ان يبرهن على الاثبات, كذلك المادي هو مسؤول أيضًا عن الدليل على النفي, لأنه لم يجعل القضية الميتافيزيقية موضع شك,

وانما نفاها نفيا قاطعا, والنفي القاطع كالاثبات القاطع, يفتقر الى الدليل.

فالمادي حين زعم ان السبب المجرد لا وجود له, ادعى في هذا الزعم ضمنًا

انه احاط بالوجود كله, ولم يجد فيه موضعا للسبب المجرد, فلا بد ان يقدم

دليلا على هذه الاحاطة العامة, وتبريرا للنفي المطلق.

ونتساءل هنا من جديد, ما هي طبيعة الدليل الذي يمكن للالهي او

للمادي ان يقدمه في هذا المجال؟ ونجيب ان دليل الاثبات او النفي, يجب

ان يكون هو العقل, لا التجربة المباشرة خلافا للمادية, التي درجت على

اعتبار التجربة دليلا على مفهومها الخاص, زاعمة ان المفهوم الالهي او القضايا الميتافيزيقية بصورة عامة لا يمكن اثباتها بالتجربة, وان التجربة هي التي ترد

على تلك المزاعم, لأنها تحلل الانسان والطبيعة, وتدلل على عدم وجود اشياء

مجردة فيهما ذلك ان التجارب والحقائق العلمية اذا صح للمادية ما تزعمه, من

انها لا تقوم دليلا على الاتجاه الالهي, فهي ايضًا لا تصلح دليلا للنفي

المطلق, الذي يحدد الاتجاه المادي, فقد عرفنا ان الحقائق العلمية على اختلاف

الوانها ليست موضعا للنقاش بين الالهية والمادية, وانما النقاش في التفسير

الفلسفي لتلك الحقائق, أي في وجود سبب اعلى وراء حدود التجربة, ومن الواضح ان التجربة لا يمكن ان تعتبر برهانا على نفي حقيقة خارج حدودها.

فالعالم الطبيعي اذا لم يجد السبب المجرد في مختبره, لم يكن هذا دليلا الا على

عدم وجوده في ميدان التجربة, واما نفي وجوده في مجال فوق مجالات

التجربة, فلا يمكن ان يستنتج من التجربة ذاتها.

ونؤكد بهذا البيان على امرين:

(احدهما) , ان المادية بحاجة الى دليل على الجانب السلبي, الذي يميزها

عن الالهية, كحاجة الميتافيزيقا الى برهان على الايجاب والاثبات. و (الآخر) ,

ان المادية اتجاه فلسفي كالالهية, ولا توجد لدينا مادية علمية, أي تجريبية, لان

العلم كما عرفنا لا يثبت المفهوم المادي للعالم, لتكون المادية علمية, بل كل ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت