فهرس الكتاب
وتتعارض المادية مع الالهية, حينما تعرض مسألة الوجود فيما وراء الطبيعة.
فالالهي يعتقد بلون من الوجود مجرد عن المادة, أي موجود خارج الحقل
التجريبي, وظواهره وقواه. والمادي ينكر ذلك ويقصر الوجود على ذلك الحقل الخاص, ويعتبر الاسباب الطبيعية, التي كشفت عنها التجربة وامتدت اليها يد العلم, هي الاسباب الاولية للوجود, وان الطبيعة هي المظهر الوحيد له.
فبينما يقرر الاتجاه الالهي ان الروح الانسانية او الـ (أنا) , ذات مجردة عن
المادة, وان الادراك والفكر ظواهر مستقلة عن الطبيعة والمادة, ينكر المادي
ذلك زاعمًا انه حلل جسم الانسان, وراقب عمليات الجهاز العصبي, فلم
يجد شيئًا خارج الحدود الطبيعية والمادية, كما يدعي الالهيون. وكذلك يؤمن
الاتجاه الالهي بان التطورات والحركات, التي يكشف عنها العلم ـ سواءكانت
حركات ميكانيكية تخضع لسبب مادي خارجي, أم حركات طبيعية غير ناشئة
من مؤثرات مادية معينة بالتجربة ـ ترجع في النهاية الى سبب خارجي, وراء سياج الطبيعة والمادة. ويعارض في ذلك المادي زاعما ان الحركة الميكانيكية
والحركة الطبيعية, لا تتصلان بسبب مجرد, وان الحركة الطبيعية ديناميكية,
فهي تكتفي بنفسها, لأن الحقل التجريبي لم يبد فيه ما اعتقده الالهيون من
سبب مجرد.
وهكذا يتضح بكل جلاء ان التعارض بين الالهية والمادية, ليس في
الحقائق العلمية. فان الالهي كالمادي يعترف بجميع الحقائق العلمية, التي
توضحها التجارب الصحيحة عن جسم الانسان وفزلجة اعضائه, وعن التطور والحركة في الطبيعة, وانما يزيد بوضع حقائق أخرى, والاعتراف بها. فهو
يبرهن على وجود جانب روحي مجرد للانسان, غير ما ظهر منه في الميدان
التجريبي, وعلى سبب مجرد اعلى للحركات الطبيعة والميكانيكية فوق المجال المحسوس.
وما دمنا قد عرفنا ان الميدان العلمي ليس فيه الهي ومادي, نعرف ان
الكيان الفلسفي للمادية ـ باعتبارها مدرسة مقابلة للالهية ـ انما يرتكز على نفي الحقائق المجردة, وانكار الوجود خارج حدود الطبيعة والمادة لا على حقائق
علمية ايجابية.
2ـ السؤال الثاني: اذا كان التعارض بين الالهية والمادية, هو تعارض
الاثبات والنفي, فأي المدرستين يقع على مسؤوليتها الاستدلال والبرهنة, على اتجاهها الخاص الايجابي او السلبي؟.
وقد يحلو لبعض الماديين في هذا المجال ان يتخلص من مسؤولية