فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 262

للواقع وقيمه, ومن دونها لا يمكن ان تقام الاسس المادية الخالصة للمجتمع

والحياة.

وقد فرضت هذه النقطة على المذهب الماركسي تسلسلا فكريا خاصًا, واقتضت منه ان يقيم شتى جوانبه الفلسفية لصالحها.

فلأجل ان تملك الماركسية الحق في تقرير النقطة المركزية تقريرًا نهائيًا,

اختارت ان تكون يقينية, كما عرفنا في نظرية المعرفة, واعلنت ان لدى

الانسان من الطاقات العلمية ما يتيح له الجزم بفلسفة معينة عن الحياة,

واستكناه أسرار الوجود والعالم, ورفضت مذهب الشك المطلق, وحتى النسبية الجامدة, وحاولت بذلك ان تعطي صفة قطعية للمحور الرئيسي, أي المفهوم

المادي.

ووضعت بعد ذلك المقياس العام للمعرفة والحقيقة في التجربة,

واستبعدت المعارف العقلية الضرورية, وانكرت وجود منطق عقلي مستقل عن التجربة, كل ذلك حذرا من إمكان محو النقطة المركزية بالمنطق العقلي, وحدا للطاقة البشرية بالميدان التجريبي خاصة.

وواجهت الماركسية في هذه المرحلة مشكلة جديدة, وهي ان الميزان

الفكري للانسان اذا كان هو الحس والتجربة, فلا بد ان تكون المعلومات التي يكونها عن طريق الحس والتجربة صحيحة دائما, ليمكن اعتبارها ميزانا اوليا

توزن به الافكار والمعارف. فهل نتائج الحس العلمي كذلك حقا؟ وهل

النظريات القائمة على التجربة مضمونة الصدق ابدًا؟.

وهكذا وقعت الماركسية بين خطرين: فان اعترفت بان المعلومات القائمة

على أساس التجربة ليست معصومة من الخطأ, فقد سقطت التجربة عن كونها ميزانا أوليًا للحقائق والمعارف. وان ادعى الماركسيون ان النظرية المستمدة من التجربة والتطبيق فوق الخطا والاشتباه, اصطدموا بالواقع الذي لا يسع لاحد انكاره, وهو ان كثيرًا من النظريات العلمية, بل القوانين التي توصل اليها

الانسان عن طريق درس الظواهر المحسوسة, قد ظهر خطأها وعدم مطابقتها

للواقع, فسقطت عن عرشها العلمي بعد ان تربعت عليه مئات السنين.

واذا كانت المفاهيم العلمية التجريبية قد تخطئ. وكان المنطق العقلي

ساقطا من الحساب, فكيف يعلن عن فلسفة يقينية؟! او تشاد مدرسة ذات

صفة جزمية في افكارها؟!.

وقد اصرت الماركسية على وضع التجربة مقياسا اعلى, وتخلصت من هذا المازق بوضع قانون الحركة والتطور في العلوم والافكار, نظرًا الى ان الفكر

جزء من الطبيعة, وهو بهذا الاعتبار يحقق قوانين الطبيعة كاملة. فيتطور وينمو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت