فهرس الكتاب
ودليل ذلك ما أخذ يكشف عنه زعماء الشيوعية اليوم من خيانات الحاكمين السابقين, والتوائهم على ما يتبنون من أهداف.
إن الثروة تسيطر عليها الفئة الرأسمالية في ظل الاقتصاد المطلق,
والحريات الفردية, وتتصرف فيها بعقليتها المادية ... تسلم ـ عند تأميم الدولة لجميع الثروات, والغاء الملكية الخاصة ـ إلى نفس جهاز الدولة, المكون من
جماعة تسيطر عليهم نفس المفاهيم المادية عن الحياة, والتي تفرض عليهم
تقديم المصالح الشخصية بحكم غريزة حب الذات, وهي تأبى أن يتنازل
الانسان عن لذة ومصلحة بلا عوض. وما دامت المصلحة المادية هي القوة المسيطرة, بحكم مفاهيم الحياة المادية, فسوف تستانف من جديد ميادين
للصراع والتنافس, وسوف يعرض المجتمع لاشكال من الخطر والاسغلال.
فالخطر على الانسانية يكمن كله في تلك المفاهيم المادية, وما ينبثق عنها
من مقاييس للأهداف والأعمال. وتوحيد الثروات الرأسمالية ـ الصغيرة أو
الكبيرة ـ في ثروة كبرى يسلم أمرها للدولة, من دون تطوير جديد للذهنية الانسانية ... لا يدفع ذلك الخطر, بل يجعل من الأمة جميعًا عمال شركة
واحدة, ويربط حياتهم وكرامتهم باقطاب تلك الشركة وأصحابها.
نعم إن هذه الشركة تختلف عن الشركة الرأسمالية في أن أصحاب تلك الشركة الرأسمالية هم الذين يملكون أرباحها, ويصرفونها في أهوائهم
الخاصة. وأما أصحاب هذه الشركة فهم لا يملكون شيئًا من ذلك, في
مفروض النظام, غير أن ميادين المصلحة الشخصية لا تزال مفتوحة, والفهم
المادي للحياة ـ الذي يجعل من تلك المصلحة هدفا ومبررًا ـ لا يزال قائمًا.
?كيف تعالج المشكلة؟
والعالم أمامه سبيلان إلى دفع الخطر. وإقامة دعائم المجتمع المستقر:
أحدهما: أن يبدل الانسان غير الانسان, أو تخلق فيه طبيعة جديدة تجعله يضحي بمصالحه الخاصة, ومكاسب حياته المادية المحدودة ... في سبيل
المجتمع ومصالحه, مع إيمانه بأنه لا قيم إلا قيم تلك المصالح المادية ولا
سبيل إلا مكاسب هذه الحياة المحدودة. وهذا إنما يتم إذا انتزع من صميم
طبيعته حب الذات, وأبدل بحب الجماعة, فيولد الانسان وهو لا يحب ذاته,
إلا باعتبار كونه جزءً من المجتمع, ولا يلتذ لسعادته ومصالحه, إلا بما أنها
تمثل جانبًا من السعادة العامة ومصلحة المجموع. فإن غريزة حب الجماعة
تكون ضامنة حينئذ للسعي وراء مصالحها وتحقيق متطلباتها, بطريقة ميكانيكية وأسلوب آلي.