فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 262

والسبيل الآخر, الذي يمكن للعالم سلوكه لدرء الخطر حاضر

الانسانية ومستقبلها هو أن يطور المفهوم المادي للانسان عن الحياة, وبتطويره تتطور طبيعيا أهدافها ومقاييسها, وتتحقق المعجزة حينئذ من أيسر طريق.

والسبيل الأول هو الذي يحلم أقطاب الشيوعيين بتحقيقه للانسانية في مستقبلها, ويعدون العالم بأنهم سوف ينشؤونها إنشاءً جديدًا. يجعلها تتحرك ميكانيكيا إلى خدمة الجماعة ومصالحها. ولأجل أن يتم هذا العمل الجبار,

يجب أن نوكل قيادة العالم اليهم, كما يوكل أمر المريض إلى الجراح, ويفوض

إليه تطبيبه وقطع الأجزاء الفاسدة منه, وتعديل المعوج منها. ولا يعلم أحد

كم تطول هذه العملية الجراحية التي تجعل الانسانية تحت مبضع جراح. وإن استسلام الانسانية لذلك لهو أكبر دليل على مدى الظلم الذي قاسته في النظام الديمقراطي الرأسمالي, الذي خدعها بالحريات المزعومة, وسلب منها أخيرًا

كرامتها, وامتص دماءها, ليقدمها شرابا سائغا للفئة التي يمثلها الحاكمون.

والفكرة في هذا الرأي, القائل بمعالجة المشكلة عن طريق تطوير الانسانية وانشائها من جديد... ترتكز على مفهوم الماركسية عن حب الذات. فإن

الماركسية تعتقد أن حب الذات ليس ميلًا طبيعيًا وظاهرة غريزية في كيان

الانسان, وإنما هو نتيجة للوضع الاجتماعي القائم على أساس الملكية

الفردية, فأن الحالة الاجتماعية للملكية الخاصة هي التي تكون المحتوى

الروحي والداخلي للانسان, وتخلق في الفرد حبه لمصالحه الخاصة ومنافعه

الفردية. فإذا حدثت ثورة في الأسس التي يقوم عليها الكيان الاجتماعي,

وحلت الملكية الجماعية والاشتراكية محل الملكية الخاصة... فسوف تنعكس

الثورة في كل أرجاء المجتمع وفي المحتوى الداخلي للانسان, فتنقلب مشاعره

الفردية إلى مشاعر جماعية, ويتحول حبه لمصالحه ومنافعه الخاصة إلى حب

لمنافع الجماعة ومصالحها, وفقًا لقانون التوافق بين حالة الملكية الأساسية

ومجموع الظواهر الفوقية التي تتكيف بموجبها.

والواقع أن هذا المفهوم الماركسي لحب الذات, يقدر العلاقة بين الواقع

الذاتي (غريزة حب الذات) , وبين الاوضاع الاجتماعية بشكل مقلوب. وإلا

فيكف نستطيع أن نؤمن بأن الدافع الذاتي وليد الملكية الخاصة, والتناقضات

الطبقية التي تنجم عنها؟! فإن الانسان لو لم يكن يملك سلفًا الدافع الذاتي, لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت